تاريخ ميورقة - أبي المطرّف أحمد بن عميرة المخزومي - الصفحة ٨٨ - ذكر الثورة التي كانت باكورة البطشة الكبيرة وأوّل بلاء نزل من السّماء على الجزيرة
وقبض على جماعة من الجند حصلوا في السجون مودعين ، وبالمنون موعدين [١] ، وجاءهم اليوم العبوس [٢] ، وحيزت منهم الأموال ثم حزت الرؤوس ، وسحبوا إلى السّور ونصبوا عليه ، وسلبوا حتى من ستر ما يحرم النظر إليه. وكان فيهم واحد من أعيان البلد وفضلائهم صلّى بما صلّوا ، وحصل حيث حصلوا. ثم إن الوالي أخبر أنه قد اكتفى فكف ، وأظهر أنه عفا وعن الدّماء عف ، فأهدى الأمان ، وأهدر ما كان ، ولم تكن لأزمنة أمانه عدّة محسوبة ، بل ولا مدّة محسوسة [٣] ، إنما كان ينبذ به الاحتيال على الاغتيال [٤] ، وينسخه قبل التمكن من الامتثال ، فقتل ناسا ، وأظهر من الفظاظة أجناسا.
وأتي برجل نجار ، وكان بينه وبين القائد علقة جوار ، وكان قد اطّلع على سرّه ، وأراد الناس قتله خيفة شرّه ، ولم يأمنوا أن يسم بريا بظلمه ، أو يسمّي أحدا فلا تعمل الرّقى في سمّه ، فحين حضر عند الوالي واستنطقه ، تكفل له بالصدق إن هو أطلقه ، فقال تكلّم فأنت طليق ، وأقبل عليه وهو بالاختلاق في ذلك الموقف خليق [٥] ، فأطال نجواه ، / ١٨ / ومعه مداد ودرج كتب به كل ما أملاه ، فحينئذ ساءت الظنون ، وانتظر ما يكون ، وانهل وبل البلاء ، وسال غيم الغماء [٦] ، وبلغت القلوب الحناجر [٧] ، واتهمت العيون
[١] جناس ناقص بين" مودعين وموعدين".
[٢] استعارة مكنية شبّه فيها المؤلف اليوم بالإنسان الذي له صفة العبوس.
[٣] جناس ناقص بين" محسوبة ومحسوسة".
[٤] جناس ناقص بين" الاحتيال والاغتيال".
[٥] جناس ناقص بين" طليق وخليق".
[٦] مجاز مرسل ، فالمطر هو الذي يسيل من الغيم.
[٧] إشارة إلى قوله تعالى : (" إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا"). سورة الأحزاب ، الآية رقم ١٠. نزلت هذه السورة تصور مشهد حصار المسلمين في غزوة الخندق (الأحزاب) ، من طرف قريش وغطفان في ذي القعدة سنة ٥ ه ، وقد عانوا فيها أهوالا كبيرة واشتد عليهم الخوف والرعب.