تاريخ ميورقة - أبي المطرّف أحمد بن عميرة المخزومي - الصفحة ١٠٤ - حديث الوقعة الكبرى
حديث الوقعة الكبرى
وعندما انتهى إلى البلد ذلك الفل [١] ، واستقر بجمع الروم ذلك المحل ، عزم الوالي على النهوض لقتاله ، وحشر من غاب وحضر من فرسانه ورجاله ، وخرج وحاله عن المآل تترجم ، وأمره يقضي بنحسه من لا ينجّم. فرغب الناس منه أن يتأنى قليلا ، ويجعل بين البلد وبينه ميلا ، ويتربص بالرّعية نزول نازلها ، وتفرّغ حالبها وناقلها ، وتأتّي الاستظهار بفارسها وراجلها. فتصلب في مناجزة أهل الصليب ، ومشى على غير نظام ولا ترتيب ، ومعه من الفرسان ألفان إلّا مائتين ، قليلون بالمعنى كثيرون [٢] في العين ، فأمّا الرّجالة فكانوا عشرين ألفا ، أكثرهم ما شهد زحفا ، ولا حضر من مصاف القتال صفا.
وبات بهم ليلة الثلاثاء في منزل نزله ، / ٢٧ / وقد ولّى من حاكم الاستبداد ما عزّه ثم عزله ، وركب إثر صلاة الصبح ، وعارضه لا تبدو منه مخيلة النجح [٣] ، فكان دأبه في مشيه أن ينادي قومه المرّة بعد المرّة ، ويستطعم ما عندهم ليوم الكريهة المرّة [٤] ، وإذا لقوا العدو فكيف يجالدون ، وبأي عزم يجاهدون [٥] ، فيجيبونه بأنهم يثبون إليهم ويثبتون لمثليهم ، ويشربون كل جنان حب الحفاظ ، ويشرعون كل سنان إلى تلك الأفئدة الغلاظ ، حتى دنا من عسكر الرّوم ، ومعه ألف الغيران وقفا المهزوم.
[١] الفلّ : المنهزمون. وفلّ القوم يفلّهم فلّا : هزمهم فانفلّوا وتفلّلوا. وهم قوم فلّ : منهزمون ، والجمع فلول وفلّال. والفلّى : الكتيبة المنهزمة. لسان العرب ، ج ١١ ، ص ٥٣١.
[٢] طباق الإيجاب بين" قليلون وكثيرون".
[٣] النجح والنجاح : الظفر بالشيء. لسان العرب ، ج ٢ ، ص ٦١١.
[٤] كناية عن موصوف وهو يوم الحرب.
[٥] جناس ناقص بين" يجالدون ويجاهدون".