الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٦٣ - بحث حقوقي اجتماعي
محتاجا في تمامه إلى غيره أو محدودا والمحدودية تفضي إلى التركيب ، وكل ذلك من لوازم الإمكان المنافي لوجوب وجود الإله فيلزم الخلف ـ كما قرره المفسرون ـ فإن الوثنيين لا يرون لآلهتهم من دون الله وجوب الوجود بل هي عندهم موجودات ممكنة عالية فوض إليهم تدبير أمر ما دونها ، وهي مربوبة لله سبحانه وأرباب لما دونها والله سبحانه رب الأرباب وإله الآلهة وهو الواجب الوجود بالذات وحده.
بل استحالة الاستعلاء إنما هو لاستلزامه بطلان استقلال المستعلى عليه في تدبيره وتأثيره إذ لا يجامع توقف التدبير على الغير والحاجة إليه الاستقلال فيكون السافل منها مستمدا في تأثيره محتاجا فيه إلى العالي فيكون سببا من الأسباب التي يتوسل بها إلى تدبير ما دونه لا إلها مستقلا بالتأثير دونه فيكون ما فرض إلها غير إله بل سببا يدبر به الأمر هذا خلف.
هذا ما يعطيه التدبر في الآية ، وللمفسرين في تقرير حجة الآية مسالك مختلفة يبتني جميعها على استلزام تعدد الآلهة أمورا تستلزم إمكانها وتنافي كونها واجبة الوجود فيلزم الخلف ، والقوم لا يقولون في شيء من آلهتهم من دون الله بوجوب الوجود ، وقد أفرط بعضهم فقرر الآية بوجوه مؤلفة من مقدمات لا إشارة في الآية إلى جلها ولا إيهام ، وفرط آخرون فصرحوا بأن الملازمة المذكورة في الآية عادية لا عقلية ، والدليل إقناعي لا قطعي.
ثم لا يشتبهن عليك أمر قوله : « لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ » حيث نسب الخلقة إليها وقد تقدم أنهم قائلون بإله التدبير دون الإيجاد وذلك لأن بعض الخلق من التدبير فإن خلق جزئي من الجزئيات مما يتم بوجوده النظام الكلي من التدبير بالنسبة إلى النظام الجاري فالخلق بمعنى الفعل والتدبير مختلطان وقد نسب الخلق إلى أعمالنا كما في قوله : « وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » الصافات : ٩٦ ، وقوله : « وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ » الزخرف : ١٢.
فالقوم يرون أن كلا من الآلهة خالق لما دونه أي فاعل له كما يفعل الواحد منا أفعاله ، وأما إعطاء الوجود للأشياء فمما يختص بالله سبحانه وحده لا يرتاب فيه موحد ولا وثني إلا بعض من لم يفرق بين الفعل والإيجاد من المتكلمين.
وقد ختم الآية بالتنزيه بقوله : « سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ».