نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٩٨
الإمكان، وما كان مانعاً من الإمكان لزمه الاستغناء عن المقتضي، فالوجود بشرط التجرّد عن الماهية أولى بالمنع من الإمكان، لأنّ الشيء الذي له اعتبار الإمكان إذا أُخذ مع الوجود دخل في الوجوب، فالذي لا اعتبار له إلاّ الوجود هو أولى بالوجوب.
والتغاير بين الوجود والوجوب اعتباريّ، لما بيّنا من كون الوجوب والإمكان والامتناع أُموراً معقولة، تحصل في العقل من اسناد المتصوّرات إلى الوجود الخارجي، وهي في أنفسها معلولات للعقل بشرط الإسناد المذكور، وليست أُموراً متحقّقة في الخارج بحيث يرد عليها التقسيم بأنّها إمّا علل للأُمور التي يستند إليها أو معلولات لها، كما أنّ تصوّر زيد وإن كان معلولاً لمن يتصوّره ، لا يكون علّة لزيد ولا معلولاً له. وكون الشيء واجباً في الخارج، هو كونه بحيث إذا عقله عاقل مسنداً إلى الوجود الخارجي لزم في عقله معقول هو الوجوب. ولما كان الوجود مقولاً بالتشكيك لم يجب تساوي مقتضياته، فانّ المعاني المشتركة على سبيل التشكيك لا يقتضي استلزام بعضها لشيء استلزام غير ذلك البعض لذلك الشيء، فإنّ نور الشمس يستلزم زوال العشي وسائر الأنوار لا تقتضيه، لكون النور مشتركاً بين نورها وسائر الأنوار بالتشكيك.
وفيه نظر; فإنّ المشكك يوجد فيه اشتراك معنويّ، وإذا اقتضى لذاته شيئاً وجب وجود ذلك الاقتضاء في جميع موارده. أمّا إذا اقتضى لا لذاته، بل لأجل انضمام ما حَصَلَ فيه من الاختلاف، لم يجب عموم الاقتضاء، وزوال العشي لا يستند إلى النور المطلق، بل إلى النور المستند إلى الشمس خاصّة إمّا لشدّته أو لمعنى مختص به، حصل باعتباره مخالفته لسائر الأنوار [١].
والتحقيق في ذلك كلّه، ما قلناه أوّلاً من كون الوجوب اعتبارياً.
[١] أُنظر المباحث المشرقية ١:٢١٤ـ ٢١٦; نقد المحصل: ٩٣ وما بعدها.