نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٥٤٦
ومن هؤلاء من بالغ حتّى قال: ضوء الشمس ليس إلاّ الظهور التام للونها، ولذلك تبهر البصر، فحينئذ يخفى اللون لعجز البصر، لا لخفائه في نفسه، كما أنّا نحس بالليل بلمعان اللوامع; ولأنّ الحس لضعفه في الليل يبهره ظهور تلك الألوان، فلا جرم لا نحس بها.
وهذا الذي ذكروه ممكن، فإنّه يجوز أن يكون لما قالوه تأثير في اختلاف أحوال الإدراكات بحسب اختلاف الحس في القوّة والضعف، لكن ندّعي مع ذلك أنّ الضوء كيفية وجودية زائدة على ذات اللون لوجوه [١] :
الأوّل: ظهور اللون إشارة إلى تجدد أمر، فذلك الأمر إمّا أن يكون هو اللون، أو صفة غير نسبيّة، أو صفة نسبيّة. والأوّل باطل; لأنّه لا يخلو إمّا أن يجعل النور عبارة عن تجدد اللون، أو اللون المتجدد. والأوّل يقتضي أن لا يكون الشيء مستنيراً إلاّ في آن تجدُّده. والثاني يقتضي أن يكون الضوء هو نفس اللون، فلا يبقى لقولهم: الضوء هو ظهور اللون معنى. وإن جعلوا الضوء كيفية ثبوتية زائدة على ذلك اللون وسمّوه بالظهور كان هو مطلوبنا، ويصير النزاع لفظياً.
وإن زعموا أنّ ذلك الظهور تجدّد حالة نسبيّة فهو باطل; لأنّ الضوء أمر غير نسبي فلا يمكن تفسيره بالحالة النسبية.
الثاني: البياض والسواد قد يشتركان في الإضاءة والإشراق، فإذن الضوء ثابت لهما جميعاً، فلو كان كون كلّ واحد منهما مضيئاً نفس ذاته لزم أن يكون الضوء بعضه مضاداً للبعض وهو محال; لأنّ المقابل للضوء ليس إلاّ الظلمة.
الثالث: انفكاك كلّ واحد من الضوء واللون عن صاحبه يدل على المغايرة، وبيان الانفكاك أنّ اللون قد يوجد من غير ضوء، فإنّ السواد قد لا يكون مضيئاً، وكذا باقي الألوان، والضوء يوجد من دون اللون، كالماء والبلور إذا كانا في الظلمة
[١] واستشكل صدر المتألّهين أكثرها في الأسفار ٤:٩٢ـ ٩٥.