نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٥٢٧
ثالثاً: قيل: إدراك اللون بما هو لون أقدم من إدراك اللون المخصوص، ومن امتيازه عن غيره. أمّا الأقدمية في الإدراك، فلأنّ الأعمّ أعرف. ولأنّ الجسم الملونّ بالألوان المظلمة كالكحلى والأغبر إذا وضع في موضع مظلم، أدرك البصر لذلك الجسم لوناً، وإن لم تتميز له ماهية ذلك اللون. وإذا لم يكن ذلك الموضع شديد الظلمة يرى ذلك اللون المخصوص، فعلمنا أنّ إدراك اللون بما هو لون أقدم من إدراك اللون المخصوص.
وأمّا الامتياز فلأنّ امتيازه عن غيره حكم يدركه العقل بعد إبصار ذلك اللون المخصوص، فيكون متأخراً عنه.
وفيه نظر; لأنّ الإدراك إن عنى به الإبصار فهو لا يتناول إلاّ الجزئي الشخصي دون الأعم، فلا يمكن أن يكون الأعم أعرف عنده، وإن أراد به التعقّل منعنا أقدمية الأعم أيضاً; لأنّه إنّما يعقل بواسطة الإحساس باللون الجزئي، فتنتزع النفس حينئذ منه أمراً كلياً. فالجزئي سابق عند النفس من الكلّي. والأغبر وشبهه إنّما أدرك البصر[١] لوناً جزئياً مخصوصاً بجسم ذي وضع مخصوص، ولكن النفس لم تدرك التميّز حيث لم يتأدّ من المبصر [٢] القدر الذي به يحصل التميّز على التمام.
رابعاً: قيل: اللون الخاص إنّما يدركه المدرك في زمان، فإنّ الدائرة إذا أُخرج من مركزها إلى محيطها خطوط كثيرة بألوان مختلفة، ثم أُديرت بسرعة شديدة فالناظر إليها في تلك الحالة يدرك لها لوناً واحداً مخالفاً لجميع ألوان الخطوط، وكأنّه يكون لوناً مركباً من جميع الألوان، وما ذاك إلاّ لأنّ كلّ نقطة منها لا تثبت في موضع واحد زماناً محسوساً، فلا جرم لا يقع الإحساس بها في مواضعها خاصة، بل تختلط تلك الألوان. ولو لم يكن الزمان المقدر معتبراً في الإبصار لم يكن الأمر كذلك.
[١] م: «يدرك المبصر».
[٢] م: «البصر».