نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٤٧٧
سلّمنا، لكنّه ليس فعلاً أوّلياً لها; لأنّ فعلها الأوّل تسييل الرطوبات المنجمدة بالبرد وتحليلها ثم تصعيدها وتبخيرها، فإن كانت المجتمعات مختلفة في قبول التحليل والتبخير[١] كان بعضها أسرع وبعضها أبطأ، فإذا بادر الأسرع دون الأبطأ والمطيع دون العاصي عرض من ذلك تَفرُّقها، وإن تشاكلت طبائعها تشابهت في الاستعداد للحركة، فلذلك لا تتفرق، وإذا لم يكن فعلها الأوّل ذلك بل تسييل الرطوبات كان تعريفها به أولى من الأوّل.
لأنّا نقول [٢]: ليست الحرارة تفرق الماء، بل إذا استحال جزء منه لشدة الحرارة فصار هواءً فرّقت بينه وبين الماء الذي ليس من طبعه، ثمّ يلزمه أن تختلط بذلك الهواء أجزاء مائية، فتصعد مع الهواء ويكون مجموع ذلك بخاراً. وإنّما رمدت الحطب، لأنّ الأجزاء الأرضية التي فيه متماسكة بالرطوبات المائية التي فيها، فإذا فرّق بين الرطب واليابس عرض منه تناثر الأجزاء اليابسة.
وأمّا الطلق والنورة والحديد فالنار قوية على تسييلها بحيل أصحاب الإكسير، وخصوصاً مع اعانتها بما يزيدها اشعالاً كالكبريت والزرنيخ. وإنّما لم يتفرق الذهب بالنار لشدة تلازم بسائطه، فكلّما مالَ فيها شيء إلى التصعّد حبسه المائل إلى الانحدار، فتحدث حركة دورية وغليان، ولولا هذا العائق لتفرق. وليس عدم تفريق النار له لأجل العائق دليلاً على أنّ النار لا تحاول التفريق. وليس عقد البَيْض جمعاً له، بل إحالة في قوامه ثمّ تفرِّقه النار عن قريب بواسطة التقطير.
وحقّ «أنّ الجمع والتفريق ليسا أوّليين للنار»; لأنّ الجمع والتفريق هنا معتبران بالقياس إلى المركب. والفعل الأوّل للحرارة التحريك إلى فوق بواسطة ما يفيد من الميل المصعّد، لكن لمّا كانت أجزاء المركب مختلفة الإستعداد لقبول
[١] ج: «التحلل و التبخر».
[٢] راجع الفصل الحادي عشر من الفن الثالث من طبيعيات الشفاء.