نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٤٥٦
والفوق والسفل يوجدان للنبات والحيوان بالطبع، فإنّ جهة الغُصن فوق بالطبع وجهة الأصل سفل بالطبع. ثمّ يعرض أن يصير الفوق أسفل وبالعكس، ويكون الفوق حافظاً للطبيعة الفوقية وكذا السفل. وأمّا القُّدام والخَلف فإنّهما حاصلان للحيوان حالَتي الحركة والسكون، وغير الحيوان إنّما تعرضان له عند الحركة، فالجهة التي إليها الحركة تكون قدّاماً، والتي عنها الحركة تكون خَلْفاً، ومتى تغيرت الحركة تغير القدّام والخلف، ولا كذلك الحيوان فإنَّ قدّامه وخلفه متعيّـن بالطبع. وغير الحيوان قد يكون قدّامه وفَوقه واحداً عندما يتحرك إلى فَوق، وتارة يتخالفان إذا كانت حركاته لا إلى الوسط ولا عنه، بل مُعترِضة بينهما [١].
المسألة الرابعة: في تحدُّد الجِهات [٢]
أثبت الفلاسفة جسماً محيطاً بكلّية العالم كُري الشكل يحدّد الجِهات أي يميّزها، ونفاه المتكلمون . وهذه مسألة من الطبيعيات تبنى عليها مسائل كثيرة عندهم مهمة سيأتي البحث فيها معهم إن شاء اللّه تعالى.
واحتجوا هنا على اثبات المحدِّد، بأنّ الجهات قد ثبت فيها جهتان متمايزتان بالطبع هما الفَوق والسِفل، وأنَّهما ذواتاً وضع، فتعيّـن وضعهما، إمَّا في شيء متشابه سواء كان خلاء أو ملاء، وإمّا في شيء مختلف، والأوّل محال; لأنّ المتشابهات [٣] تتساوى أحكامها، فليس بعض الحدود المفروضة في ذلك المتشابه بأن تكون جهة أولى من سائرها، فإمّا أن يقتضي كلّها جهة واحدة، وليس إحداهما بأن يكون
[١] انظر نهاية الفصل الثالث عشر من المقالة الثالثة من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء، والمباحث المشرقية ١:٣٦٤ ـ ٣٦٥.
[٢] انظر شرح الإشارات ٢:١٧٥ ـ ١٨١.
[٣] م: المتساويات.