نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٣٩٧
الجوهر والكم والكيف وغيرها، وقد لا يوجد الانتقال عند حصول التغيّـر في تلك الأُمور، فإذن الانتقال تغيّـر في الأين، أي في نسبته إلى المكان، وذلك يوجب وجود المكان. ولأنّ الجسم يحضر ويغيب، ثمَّ يحضر غيره حيث هو، وبالضرورة يحصل أمر مشترك بين المتعاقبين، وليس غير المكان.
ولأنّ الضرورة قاضية بوجود الفوق والسفل، وذلك يقتضي وجود المكان.
واحتج منكروه بوجوه [١]:
أ: لو كان موجوداً لكان إمّا جوهراً أو عرضاً، فإن كان جوهراً استحال أن يكون جسماً، لاحتياج كلّ جسم إلى مكان، فلو كان المكان جسماً لافتقر إلى مكان آخر، فيتسلسل أو يدور. ولأنّ المكان يداخله المتمكن فلو كان جسماً لزم تداخل جسمين وهو محال بالضرورة. ولأنّه ليس من بسائط الأجسام، ولا من مركّباتها، لأنّه ليس شيء منهما يشار إليه أنّه هو المكان. ويستحيل أن يكون جوهراً غير متحيّـز [٢]، لأنّ المطابقة واجبة بين المكان والمتمكن بحيث لا يفضل أحدهما على الآخر في المقدار، ولا يتصوّر ذلك بين الجسم والمجرد المعقول. ولأنّ المكان مقصود بالإشارة الحسّية، ولا شيء من الجواهر العقلية كذلك. ولأنّ الخواص الأربعة المشهورة عند الجمهور منفية عن المجرّد، فلا يكون هو المكان.
وإن كان عرضاً استحال أن يكون قائماً بذاته، بل لابدّ له من محل يحلّ فيه، فإن كان محلّه المتمكن لزم انتقاله بانتقاله، فتكون الحركة مع المكان،لا منه ولاإليه، وهو محال. ولأنّ العرض يكون موجوداً في المحل، ولا يكون المحل موجوداً فيه، فلا يكون الجسم موجوداً في المكان، ولاستلزامه الدور. ولا يجوز أن يكون قائماً بغيره،
[١] قارن الفصل التاسع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء; والمباحث المشرقية ١:٣٢٧ـ٣٣٠; المواقف ١:١١٣; الأسفار ٤:٣٩ـ٤٠.
[٢] أي جوهراً مجرداً غير جسم.