عيون الحكمة - ابن سينا - الصفحة ٢
في الرأى حول الموضوع و مثار الجدل و النقد، بل و طرق موضوعات شتى لا يتصل أكثرها بموضوع النص نفسه إلا من بعيد، خصوصا إذا تغلبت ملكة الاستطراد- و تلك كانت حال القوم عامة في العصر الوسيط- فالتوى الشرح بصاحبها في دروب بعيدة المدى. و كم من نص بسيط كان فرصة لفلاسفة و شراح لاهوتيين و علماء كلام ليعرضوا مذاهبهم الخاصة أو ليقدموا من المواد و المعلومات التاريخية ما فيه الفائدة كل الفائدة، و لولاه لضاع الكثير من الأخبار عن مذاهب و مؤلفين فقدت كتبهم! فالشروح التي كتبت على محاورة «طيماوس» لأفلاطون أو «ما بعد الطبيعة» لأرسطو في العصر اليونانى المتأخر، خصوصا إبان الأفلاطونية المحدثة، هى عوالم قائمة برأسها دون النصوص الأصلية. و الشروح التي كتبها الفلاسفة المسيحيون في القرن الثالث عشر على كتاب «الجمّل» لبطرس اللومباردىLiber de Sententiae كانت خير مجال لكى يعرضوا مذاهبهم الخاصة و الأمر كذلك في العالم الإسلامى، و على صورة أظهر و أوسع. و يكفي أن نذكر هنا شروح الفخر الرازى على «عيون الحكمة» هذا الذي بين يديك، و على «الإشارات و التنبيهات» لابن سينا أيضا و ما هنالك من شروح تفرعت على هذا الشرح للكتاب الأخير كشرح نصير الدين الطوسى و «محاكمات» القطب الرازى التحتانى على شرحى الرازى و الطوسى و ما عقب على هذا كله من حواش و تعليقات تكاد لا تدخل تحت حصر.
و ما دام «عيون الحكمة» هكذا موجزا بسيطا، فليس لنا أن ننتظر منه أن يأتى بجديد على التقليدى الأوّلى البسيط في الفلسفة الإسلامية التقليدية، و لا أن يضيف شيئا إلى ما عرفناه من سائر مؤلفات ابن سينا. و إذن فهو لا يكشف جديدا مطلقا لا بالنسبة إلى الفلسفة الإسلامية و لا بالنسبة إلى ابن سينا نفسه.
ففائدته تعليمية محض: أعنى أنه عرض للحكمة النظرية العامة و السيناوية بخاصة في أبسط صورها. فلا يطلبن أحد منه أكثر من هذا.