دروس في البلاغة - الشيخ محمدي البامياني - الصفحة ٤٤ - تقسيم ثالث للتّشبيه باعتبار وجه الشّبه إمّا قريب مبتذل
أي في ظاهره إذا جعلته (١) من بدا الأمر يبدو ، أي ظهر ، وإن جعلته مهموزا من بدأ فمعناه في أوّل الرّأي ، وظهور وجهه (٢) في بادي الرّأي يكون لأمرين : إمّا [لكونه (٣) أمرا جمليّا] لا تفصيل فيه (٤) [فإنّ (٥) الجملة أسبق إلى النّفس] من التّفصيل ألا ترى أنّ إدراك الإنسان من حيث إنّه شيء أو جسم أو حيوان (٦) أسهل وأقدم ـ من إدراكه
حاصلا من غير تدقيق نظر ، لظهور وجه الشّبه كان التّشبيه مبتذلا كما في تشبيه الرّجل الشّجاع بالأسد ، وإن كان ذلك الانتقال بعد التّأملّ لعدم ظهور وجه الشّبه ، كما في قوله : «والشّمس كالمرآة في كفّ الأشلّ» كان التّشبيه غريبا حسنا.
(١) بيان لتفسيره «بادي الرّأي» بقوله : «أي في ظاهره» ثمّ إضافة البادي إلى الرّأي على هذا التّقدير من إضافة الصّفة إلى الموصوف ، فالمعنى أي في الرّأي الظّاهر ، يعني لا حاجة إلى الرّأي العميق والفكر الدّقيق ، بل يكفي فيه رأي ظاهر يحصل لكلّ من تصدّى له.
(٢) أي وجه التّشبيه.
(٣) أي وجه التّشبيه أمرا جمليّا ، قوله : «جمليّا» نسبة إلى الجملة بحذف التّاء ، كما في بصري وكوفي ، على ما قرّر في موضعه.
(٤) أي أتى الشّارح بذلك للإشارة إلى أنّ المجمل في المقام مقابل للمفصّل لا للمبيّن ، كي يكون بمعنى ما لم تتّضح دلالته ، وحاصل كلام المصنّف ومراده أنّ أحد سببيّ ، ظهور وجه الشّبه في بادي الرّأي كونه مجملا لا تفصيل فيه ، سواء كان بسيطا لا تركيب فيه أصلا كقولك : زيد كعمرو في النّطق ، وزيد كالشّمس في الضّياء ، أو مركّبا لم ينظر إلى أجزائه نحو زيد كعمرو في الإنسانيّة.
(٥) علّة للعلّة ، فيكون المعنى إنّ الأمر الجملي أظهر من التّفصيليّ ، لأنّ الأمر المجمل أسبق إلى إدراك النّفس وفهمه من الأمر المفصّل ، والسّرّ في ذلك إنّ المجمل يحتاج إلى ملاحظة واحدة ، بخلاف المفصّل ، فإنّه محتاج إلى تعدّد الملاحظة بحسب ما فيه من الأجزاء ، ولازم ذلك كون المجمل أسبق إلى إدراك النّفس من المفصّل لكونه قليل المؤنة بالإضافة إليه ، سيّما إذا كان التّفصيل بتحليل المجمل لا بجمع أمور.
(٦) أي هذه الثّلاثة أعني كون الإنسان شيئا أو جسما أو حيوانا متفاوتة الرّتب في العموم والأعرفيّة ، فإنّ العامّ أعرف من الخاصّ ، وليست متفاوتة في الإجمال المقابل