قصص الانبياء - ابن كثير - الصفحة ١٣١
قَالَ ربى انصرني بِمَا كذبون " استبعدوا الميعاد وأنكروا قيام الاجساد بعد صيرورتها تُرَابا وعظاما، وَقَالُوا: هَيْهَات هَيْهَات، أَي بعيد بعيد هَذَا الْوَعْد، " إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحن بمبعوثين " أَيْ يَمُوتُ قَوْمٌ وَيَحْيَا آخَرُونَ.
وَهَذَا هُوَ اعْتِقَادُ الدَّهْرِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ: أَرْحَامٌ تَدْفَعُ وَأَرْضٌ تَبْلَعُ.
وَأَمَّا الدُّورِيَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ بَعْدَ كُلِّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ وَكُفْرٌ وَجَهْلٌ وَضَلَالٌ، وَأَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ وَخَيَالٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا دَلِيلٍ، يَسْتَمِيلُ عَقْلَ الْفَجَرَةِ الْكَفَرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون ".
(٢) وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا وَعَظَهُمْ بِهِ: " أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ
مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ".
يَقُولُ لَهُمْ: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ بَنَاءً عَظِيمًا هَائِلًا كَالْقُصُورِ وَنَحْوِهَا، تَعْبَثُونَ بِبِنَائِهَا لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ فِيهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْخِيَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " ألم تركيف فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد " فَعَادُ إِرَمَ هُمْ عَادٌ الْأُولَى الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَعْمِدَةَ الَّتِي تَحْمِلُ الْخِيَامَ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ " إِرَمَ " مَدِينَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَهِيَ تنْتَقل فِي الْبِلَاد، فقد غلط وَأَخْطَأ، وَقَالَ مَالا دَلِيل عَلَيْهِ.
(١) الْآيَة: ١١٣ من سُورَة الانعام (*)