مختصر تفسير ابن كثير - الصابوني، محمد علي - الصفحة ٢٠٩
- ٢٣١ - وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ -[٢١٠]- مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلرِّجَالِ: إِذَا طَلَّقَ أَحَدُهُمُ الْمَرْأَةَ طَلَاقًا لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ، أَنْ يُحْسِنَ فِي أَمْرِهَا إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ رَجْعَتُهَا، فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهَا أَيْ يَرْتَجِعَهَا إِلَى عِصْمَةِ نِكَاحِهِ بِمَعْرُوفٍ وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَيَنْوِيَ عِشْرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُسَرِّحَهَا أَيْ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَيُخْرِجُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِ شِقَاقٍ وَلَا مُخَاصَمَةٍ وَلَا تَقَابُحٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} قال ابن عباس ومجاهد: كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ الْمَرْأَةَ فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ رَاجَعَهَا ضِرَارًا لِئَلَّا تَذْهَبَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَعْتَدُّ فَإِذَا شَارَفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ طَلَّقَ لِتَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أَيْ بِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ الله تعالى.
وقوله تَعَالَى: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً} قَالَ مَسْرُوقٌ: هُوَ الَّذِي يُطَلِّقُ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ وَيُضَارُّ امْرَأَتَهُ بِطَلَاقِهَا وَارْتِجَاعِهَا لِتَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وقال الحسن وقتادة: هُوَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ وَيَقُولُ: كُنْتُ لَاعِبًا، أَوْ يُعْتِقُ أَوْ يَنْكِحُ وَيَقُولُ: كُنْتُ لَاعِبًا، فَأَنْزَلَ الله: {وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً} ، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ وَهُوَ يلعب ولا يُرِيدُ الطَّلَاقَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً} فَأَلْزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم الطلاق. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ جدهنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، والرجعة" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ الترمذي: حسن غريب)
وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} أَيْ فِي إِرْسَالِهِ الرَّسُولَ بِالْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ إِلَيْكُمْ {وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ السُّنَّةُ {يَعِظُكُمْ بِهِ} أَيْ يَأْمُرُكُمْ وَيَنْهَاكُمْ وَيَتَوَعَّدُكُمْ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَحَارِمِ {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أَيْ فِيمَا تَأْتُونَ وَفِيمَا تَذَرُونَ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمْ} أَيْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمُ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ وَسَيُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ.