مختصر تفسير ابن كثير - الصابوني، محمد علي - الصفحة ٥٩٥
قال: {وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قال: «بشرك» (وروي عن أبي بكر وعمر وأُبي بن كعب وحذيفة وابن عمر وعكرمة والضحّاك وقتادة والسدي) . وعن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قِيلَ لِي أَنْتَ مِنْهُمْ» .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَنَابٍ عَنْ زَاذَانَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما بَرَزْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِذَا رَاكِبٌ يُوضِعُ نَحْوَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَأَنَّ هَذَا الرَّاكِبَ إِيَّاكُمْ يُرِيدُ» فَانْتَهَى إِلَيْنَا الرجل، فسلم فرددنا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟» قَالَ: مِنْ أَهْلِي وَوَلَدِي وَعَشِيرَتِي قَالَ: «فَأَيْنَ تُرِيدُ؟» قَالَ: أُرِيدُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فَقَدْ أَصَبْتَهُ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ علمني ما الإيمان؟ قال: «أن تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ» قَالَ: قَدْ أَقْرَرْتُ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ بَعِيرَهُ دَخَلَتْ يَدُهُ فِي جحر جُرْذَانٍ فَهَوَى بِعِيرُهُ، وَهَوَى الرَّجُلُ فَوَقَعَ عَلَى هامته فمات. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليَّ بِالرَّجُلِ» ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَأَقْعَدَاهُ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ الله قبض الرجل، قال: فأعرض عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا رَأَيْتُمَا إِعْرَاضِي عَنِ الرَّجُلِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ مَلَكَيْنِ يَدُسَّانِ فِي فِيهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مَاتَ جَائِعًا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيهم: {الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الآية، ثم قال: «دونكم أخاكم» فَاحْتَمَلْنَاهُ إِلَى الْمَاءِ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ وَحَمَلْنَاهُ إِلَى الْقَبْرِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: «الْحِدُوا وَلَا تَشُقُّوا فَإِنَّ اللَّحْدَ لَنَا والشق لغيرنا» ، وفي بعض الروايات هذا ممن عمل قليلاً وأجر كثيراً.
وروى ابن مردويه عن عبد الله بن سخبرة قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ أُعْطِيَ فَشَكَرَ وَمُنِعَ فَصَبَرَ وظَلَم فاستغفر وظُلِم فغفر» وسكت قال: فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَهُ؟ قَالَ: {أُولَئِكَ لَهُمُ الأمن وهم مهتدون} (في اللباب: أخرج ابن أبي حاتم: حمل رجل من العدو على المسلمين، فقتل رجلاً ثم حمل فقتل آخر، ثم حمل فقتل أُخَرَ، ثم قال: أينفعني الإسلام بعد هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نعم» ، فضرب فرسه، فدخل فيهم، ثم حمل على أصحابه فقتل رجلاً ثم آخر ثم آخر، ثم قُتل. فيرون أن هذه الآية {الذين آمنوا ... } نزلت فيه) . وَقَوْلُهُ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} أي وجهنا حجته عليهم. قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَهُ: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن} الآية. وَقَدْ صَدَّقَهُ اللَّهُ وَحَكَمَ لَهُ بِالْأَمْنِ وَالْهِدَايَةِ فَقَالَ: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} قرىء بالإضافة وبلا إضافة، وَكِلَاهُمَا قَرِيبٌ فِي الْمَعْنَى. وَقَوْلُهُ: {إِنَّ رَبَّكَ حكيم عليم} أي حَكِيمٌ في أقواله وأفعاله، عَلِيمٌ: أَيْ بِمَنْ يَهْدِيهِ وَمَنْ يُضِلُّهُ وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَجُ وَالْبَرَاهِينُ، كَمَا قَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأليم} ، ولهذا قال ههنا: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} .