سلسله التفسير لمصطفي العدوي - العدوي، مصطفى - الصفحة ٣
تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة.)
سورة القيامة يقول الله سبحانه وتعالى فيها: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة:١] .
(لا) : لنفي شيء قد تقدم، فهو أقسم بيوم القيامة، فهذا كقوله: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد:١] ، مع أن الله أقسم بالبلد.
وقد تقدمت مباحث ذلك باتساع في تفسير جزء عم.
فـ (لا) هنا نفي لشيء مستتر أو لشيء قد تقدم، فيقول الله سبحانه: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} وقد أقسم به في موطن آخر فقال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} [البروج:١-٢] ، فأقسم الله باليوم الموعود وهو يوم القيامة فالله عز وجل يقسم بعظيم مخلوقاته، فلا يقسم بالنمل، ولا بالصراصير، ولا بالنحل مع أنها كلها من مخلوقات الله.
قال تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة:١] ، ويوم القيامة كما وصفه تعالى في قوله: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} [المزمل:١٧-١٨] .
{وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:٢] ، فما المراد بالنفس اللوامة؟ لأهل العلم في تفسير النفس اللوامة أقوال: قال فريقٌ منهم: ما من نفس إلا وهي تلوم صاحبها، إن فعل خيراً تلومه يوم القيامة: لِمَ لَمْ تزدد من فعل هذا الخير؟ لم لَم تكثر من فعل هذا الخير؟ وإن عمل شراً لامته نفسه: لم عملت هذا الشر؟ فحملوا (اللوّامة) على أن وقت اللوم يكون يوم القيامة.
ومنهم من قال: إن اللوم هذا يكون في الدنيا، فما من نفس إلا وهي تلوم صاحبها، فنفس المؤمن تلومه إن فعل المعاصي: لم فعلت هذه المعصية؟ ونفس الكافر، تلومه: لِمَ لم تكثر من فعل المعاصي؟ فكل نفسٍ تلوم صاحبها على هذا المعنى.
والنفس لها درجات وأعمال ومراتب، ولها أقسام: كنفوس خيرة ونفوس شريرة، وقد قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس:٧-٩] ، فهناك أنفس فيها فجور وأنفس فيها تقوى، وقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:٤٠-٤١] .