تفسير المراغي - المراغي، أحمد مصطفى - الصفحة ١٣٤
(وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ) أي ولا يسخر نساء من نساء عسى أن يكون المسخور منهن خيرا من الساخرات ، وأتى بالجمع فى الموضعين ، من قبل أن الأغلب فى السخرية أن تكون فى مجامع الناس ، وكم من متلذذ بها ، وكم من متألم منها.
روى الترمذي عن عائشة قالت : حكيت للنبى صلّى الله عليه وسلّم رجلا فقال : «ما يسرنى أنى حكيت رجلا وأن لى كذا وكذا ، قالت فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت [١] بيدها هكذا تعنى أنها قصيرة ، فقال : لقد مزحت بكلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته».
وروى مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ؛ ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» وفى هذا إيماء إلى أن المرء لا يقطع بمدح أحد أو عيبه كما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة ، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال ، ولعل من رأينا منه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه ، فالأعمال أمارات ظنية ، لا أدلة قطعية.
(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة على وجه الخفية.
وفى قوله : «أنفسكم» تنبيه إلى أن العاقل لا يعيب نفسه ، فلا ينبغى أن يعيب غيره لأنه كنفسه ، ومن ثم قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «المؤمنون كجسد واحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى» وقال عليه الصلاة والسلام : «يبصر أحدكم القذاة [٢] فى عين أخيه ويدع الجذع فى عينه».
[١] تطلق العرب القول على جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان توسعا فى الاستعمال.
[٢] ما يقع فى العين والماء والتراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك.