تفسير القرطبي - القرطبي، شمس الدين - الصفحة ١٢٨
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٨]
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨)
قوله تعالى: (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ) فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا- لِيَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءَ عَنْ تَبْلِيغِهِمُ الرِّسَالَةَ إِلَى قَوْمِهِمْ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ، أَيْ إِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُسْأَلُونَ فَكَيْفَ مَنْ سِوَاهُمْ. الثَّانِي- لِيَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءَ عَمَّا أَجَابَهُمْ بِهِ قَوْمُهُمْ، حَكَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى. الثَّالِثُ- لِيَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَنِ الْوَفَاءِ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ. الرَّابِعُ- لِيَسْأَلَ الْأَفْوَاهَ الصَّادِقَةَ عن القلوب المخلصة، وفي التنزيل:" فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ" [الأعراف: ٦]. وَقَدْ تَقَدَّمَ [١]. وَقِيلَ: فَائِدَةُ سُؤَالِهِمْ تَوْبِيخُ الْكُفَّارِ، كما قال تعالى:" أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ" [٢] [المائدة: ١١٦]. (وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً) وَهُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ.
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٩]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩)
يَعْنِي غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ وَالْأَحْزَابِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ [٣]، وَكَانَتْ حَالًا شَدِيدَةً مُعَقَّبَةً بِنِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ وَغِبْطَةٍ، وَتَضَمَّنَتْ أَحْكَامًا كَثِيرَةً وَآيَاتٍ بَاهِرَاتٍ عَزِيزَةً وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَكْفِي فِي عَشْرِ مَسَائِلَ: الْأُولَى- اخْتُلِفَ فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَتْ، فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: كانت وقعة الخندق سنة أربع،
[١] راجع ج ٧ ص ١٦٤.
[٢] راجع ج ٦ ص ٣٧٤.
[٣] سميت غزوة الخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأما تسميتها بالأحزاب: فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين وهم قريش وغطفان واليهود.