تفسير القرطبي - القرطبي، شمس الدين - الصفحة ٣٦٢
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: [بَلْ [[١]] هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في صفة الإقعاء ما هو فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِقْعَاءُ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلُ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالسَّبُعِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا إِقْعَاءٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَهَذَا تَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَمَّا أَهْلُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْإِقْعَاءَ أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي تَأْوِيلِ الْإِقْعَاءِ الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ وَضْعِ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ السنة أن تمس عقبك إلى أليتك رواه إبراهيم بن مسرة عَنْ طَاوُسٍ عَنْهُ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ قَالَ الْقَاضِيُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَمَّوْهُ إِقْعَاءً. ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْعُونَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ- لَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ وَبِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ أَنَّهُ أَوْجَبَ التَّسْلِيمَتَيْنِ مَعًا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى التَّسْلِيمَتَيْنِ أَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْ فَرَائِضِهَا غَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مِنْ حُجَّةِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ فِي إِيجَابِهِ التَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعًا- وَقَوْلِهِ: إِنَّ مَنْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْأُولَى وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ- قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ". ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ التَّسْلِيمُ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ. وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْلِيمَةَ الْوَاحِدَةَ دُونَ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" قَالُوا: وَالتَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ يَقَعُ عليها اسم تسليم.
[١] الزيادة عن صحيح مسلم.