تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن - السعدي، عبد الرحمن - الصفحة ٨١٤
{١٧-٢٠} {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} .
لما ذكر تعالى عقوبة المكذبين، ذكر نعيم المتقين، ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوب بين الخوف والرجاء، فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} لربهم، الذين اتقوا سخطه وعذابه، بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
{فِي جَنَّاتِ} أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفة، والأنهار المتدفقة، والقصور المحدقة، والمنازل المزخرفة، {وَنَعِيمٍ} [وهذا] شامل لنعيم القلب والروح والبدن،
{فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي: معجبين به، متمتعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفه، ولا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، ووقاهم عذاب الجحيم، فرزقهم المحبوب، -[٨١٥]- ونجاهم من المرهوب، لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه ويأباه.
{كُلُوا وَاشْرَبُوا} أي: مما تشتهيه أنفسكم، من [أصناف] المآكل والمشارب اللذيذة، {هَنِيئًا} أي: متهنئين بتلك المآكل والمشارب [١] على وجه الفرح والسرور والبهجة والحبور. {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة، وأقوالكم المستحسنة.
{مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ} الاتكاء: هو الجلوس على وجه التمكن والراحة والاستقرار، والسرر: هي الأرائك المزينة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية.
ووصف الله السرر بأنها مصفوفة، ليدل ذلك على كثرتها، وحسن تنظيمها، واجتماع أهلها وسرورهم، بحسن معاشرتهم، ولطف كلام بعضهم لبعض [٢] فلما اجتمع لهم من نعيم القلب والروح والبدن ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، من المآكل والمشارب [اللذيذة] ، والمجالس الحسنة الأنيقة، لم يبق إلا التمتع بالنساء اللاتي لا يتم سرور بدونهن [٣] فذكر الله أن لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافا وخلقا وأخلاقا، ولهذا قال: {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} وهن النساء اللواتي قد جمعن من جمال الصورة الظاهرة وبهاءها، ومن الأخلاق الفاضلة، ما يوجب أن يحيرن بحسنهن الناظرين، ويسلبن عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطيش [٤] شوقا إليهن، ورغبة في وصالهن، والعين: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.
[١] في ب: متهنئين بذلك على وجه.
[٢] في ب: وملاطفة بعضهم بعضا.
[٣] في ب: إلا بهن.
[٤] في ب: تطير.