التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٩١
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَالْمَعْنَى بِزَوَالِ الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ وَفِيهِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: فَاذْكُرُوا بِمَعْنَى فَافْعَلُوا الصَّلَاةَ كَمَا عَلَّمَكُمْ بِقَوْلِهِ: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] وَكَمَا بَيَّنَهُ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ، لِأَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ إِذَا زَالَ عَادَ الْوُجُوبُ فِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ، وَالصَّلَاةُ قَدْ تُسَمَّى ذِكْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الْجُمُعَةِ: ٩] .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فَاذْكُرُوا اللَّهَ أَيْ فَاشْكُرُوهُ لِأَجْلِ إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِالْأَمْنِ، طَعَنَ الْقَاضِي فِي هَذَا الْقَوْلِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الذِّكْرَ لَمَّا كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ حُصُولُ الْأَمْنِ بَعْدَ الْخَوْفِ لَمْ يَكُنْ حَمْلُهُ عَلَى ذِكْرٍ يَلْزَمُ مَعَ الْخَوْفِ وَالْأَمْنِ جَمِيعًا عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعَ الْخَوْفِ يَلْزَمُ الشُّكْرُ، كَمَا يَلْزَمُ مَعَ الْأَمْنِ، لِأَنَّ فِي كِلَا الْحَالَيْنِ نِعْمَةَ الله تعالى متصلة، والخوف هاهنا مِنْ جِهَةِ الْكُفَّارِ لَا مِنْ جِهَتِهِ تَعَالَى، فَالْوَاجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عَلَى ذِكْرٍ يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْحَالَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ الصَّلَاةُ وَالشُّكْرُ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الشُّكْرِ مُحَدَّدٌ يَلْزَمُ فِعْلُهُ مَعَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: كَما عَلَّمَكُمْ فَبَيَانُ إِنْعَامِهِ عَلَيْنَا بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّعْرِيفِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ تَعَالَى، وَلَوْلَا هِدَايَتُهُ لَمْ نَصِلْ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَنَا فَسَّرُوا هَذَا التَّعْلِيمَ بِخَلْقِ الْعِلْمِ وَالْمُعْتَزِلَةُ فَسُّرُوهُ بِوَضْعِ الدَّلَائِلِ، وَفِعْلِ الْأَلْطَافِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم من زمان الجهالة والضلالة.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٤٠]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)
الحكم السابع عشر الوفاة
فِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَصِيَّةٌ بِالرَّفْعِ، وَالْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ، أَمَّا الرَّفْعُ فَفِيهِ أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَصِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلَهُ: لِأَزْواجِهِمْ خَبَرٌ، وَحَسُنَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ، لِأَنَّهَا مُتَخَصِّصَةٌ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ الْمَوْضِعِ، كَمَا حَسُنَ قَوْلُهُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ:
وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مُبْتَدَأً، وَيُضْمَرُ لَهُ خَبَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ فَعَلَيْهِمْ وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٧] ، فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] وَالثَّالِثُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ: الْأَمْرُ وَصِيَّةٌ، أَوِ الْمَفْرُوضُ، أَوِ الْحُكْمُ وَصِيَّةٌ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَضْمَرْنَا الْمُبْتَدَأَ وَالرَّابِعُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ:
كُتِبَ عَلَيْكُمْ وَصِيَّةٌ وَالْخَامِسُ: تَقْدِيرُهُ: لِيَكُونَ مِنْكُمْ وَصِيَّةٌ وَالسَّادِسُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَوَصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَصِيَّةٌ إِلَى الْحَوْلِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ جَائِزَةٌ حَسَنَةٌ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ النَّصْبِ فَفِيهَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ فَلْيُوصُوا