التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٨٧
مُرَكَّبَةً حَتَّى/ يَنْتَقِلَ نَظَرُ الْعَقْلِ مِنْ جُزْءٍ إِلَى جُزْءٍ، وَلَا [١] مُنَاسِبَةً لِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُدْرَكَةِ عَنِ النَّفْسِ حَتَّى تُعْرَفَ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَايَسَةِ، فَهِيَ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهَا مَبْدَأُ ظُهُورِ كُلِّ ظَاهِرٍ، وَهِيَ الْبَاطِنَةُ لِأَنَّهَا فَوْقَ عُقُولِ كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ، فَسُبْحَانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ الْعُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وَاخْتَفَى عَنْهَا بِكَمَالِ نُورِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا التَّبَتُّلَ بِالْإِخْلَاصِ، وَأَصْلُ التَّبَتُّلِ فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ، وَقِيلَ لِمَرْيَمَ الْبَتُولُ لِأَنَّهَا انْقَطَعَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادَةِ، وَصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ مِنْ مَالِ صَاحِبِهَا. وَقَالَ اللَّيْثُ: التَّبْتِيلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، وَالْبَتُولُ كُلُّ امْرَأَةٍ تَنْقَبِضُ مِنَ الرِّجَالِ، لَا رَغْبَةَ لَهَا فِيهِمْ. إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِبَارَاتٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ لِلْعَابِدِ إِذَا تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ قَدْ تَبَتَّلَ أَيِ انْقَطَعَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ التَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيَا مَعَ كُلِّ مَا فِيهَا وَالْتِمَاسُ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فَوْقَ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الظَّاهِرِيُّونَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَتَبَتَّلْ أَيِ انْقَطِعْ عَنْ كل ما سواه إليه والمشغول بِطَلَبِ الْآخِرَةِ غَيْرُ مُتَبَتِّلٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، بل التبتل إلى الآخرة والمشغول بعبارة اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إِلَى الْعِبَادَةِ لَا إِلَى اللَّهِ، وَالطَّالِبُ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ لَا إِلَى اللَّهِ فَمَنْ آثَرَ الْعِبَادَةَ لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْ لِطَلَبِ الثَّوَابِ أَوْ لِيَصِيرَ مُتَعَبِّدًا كَامِلًا بِتِلْكَ الْعُبُودِيَّةِ لِلْعُبُودِيَّةِ فَهُوَ مُتَبَتِّلٌ إِلَى غير الله، ومن آثر العرفان فَهُوَ مُتَبَتِّلٌ إِلَى الْعِرْفَانِ، وَمَنْ آثَرَ الْعُبُودِيَّةَ لَا لِلْعُبُودِيَّةِ بَلْ لِلْمَعْبُودِ وَآثَرَ الْعِرْفَانَ لَا لِلْعِرْفَانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ، فَقَدْ خَاضَ لُجَّةَ الْوُصُولِ، وَهَذَا مَقَامٌ لَا يَشْرَحُهُ الْمَقَالُ وَلَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْخَيَالُ، وَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَكُنْ مِنَ الْوَاصِلِينَ إِلَى الْعَيْنِ دُونَ السَّامِعِينَ لِلْأَثَرِ وَلَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ لِهَذَا مِثَالًا إِلَّا عِنْدَ الْعِشْقِ الشَّدِيدِ إِذَا مَرِضَ الْبَدَنُ بِسَبَبِهِ وَانْحَبَسَتِ الْقُوَى وَعَمِيَتِ الْعَيْنَانِ وَزَالَتِ الْأَغْرَاضُ بِالْكُلِّيَّةِ وَانْقَطَعَتِ النَّفْسُ عَمَّا سِوَى الْمَعْشُوقِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَهُنَاكَ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّبَتُّلِ إِلَى الْمَعْشُوقِ وَبَيْنَ التَّبَتُّلِ إِلَى رُؤْيَةِ الْمَعْشُوقِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبَتُّلًا أَوْ يُقَالُ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، لَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُمَا وَاخْتَارَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ الدَّقِيقَةَ وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ إِنَّمَا هُوَ التَّبَتُّلُ فَأَمَّا التَّبْتِيلُ فَهُوَ تَصَرُّفٌ وَالْمُشْتَغِلُ بِالتَّصَرُّفِ لَا يَكُونُ مُتَبَتِّلًا إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ الْمُشْتَغِلَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُنْقَطِعًا إِلَى اللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَوَّلًا مِنَ التَّبْتِيلِ حَتَّى يَحْصُلَ التَّبَتُّلُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٩] فَذَكَرَ التَّبَتُّلَ أَوَّلًا إِشْعَارًا بِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَذَكَرَ التَّبْتِيلَ ثَانِيًا إِشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ ولكنه مقصود بالغرض.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُ بِالذِّكْرِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالتَّبَتُّلِ ثَانِيًا ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ فَقَالَ تعالى:
[سورة المزمل (٧٣) : آية ٩]
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)
[في قوله تَعَالَى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ] وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ التَّبَتُّلَ إِلَيْهِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الْمَحَبَّةِ إِمَّا الْكَمَالُ وَإِمَّا التَّكْمِيلُ، أَمَّا الْكَمَالُ فَلِأَنَّ الْكَمَالَ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ إِنَّمَا كَانَ مَحْبُوبًا لِأَجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإِذًا لَا بُدَّ مِنَ الانتهاء إلى ما يكون
[١] فيه أيضا (ولا إنها مناسبة) وهي كسابقتها.