تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١٦٩
الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِمْ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْقَرَابَاتُ وَالْأَهْلُونَ وَالْمُمَالِيكُ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ، فَكُلٌّ مِنَ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ" [١] . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
وَأَصْلُ الصَّلَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الدُّعَاءُ، قَالَ الْأَعْشَى:
لَهَا حَارِسٌ لَا يبرحُ الدهرَ بَيْتَها ... وَإِنْ ذُبحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وزَمْزَما [٢]
وَقَالَ أَيْضًا [٣] وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنّها ... وَصَلَّى عَلَى دَنّها وَارْتَسَمَ [٤]
أَنْشَدَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ مُسْتَشْهِدًا عَلَى ذلك.
وقال الآخر -وهو الأعشى أيضًا-:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبتُ مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوَجَعَا ...
عليكِ مثلُ الَّذِي صليتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنب الْمَرْءِ مُضْطجعا ...
يَقُولُ: عَلَيْكِ مِنَ الدُّعَاءِ مِثْلَ الَّذِي دَعَيْتِهِ لِي. وَهَذَا ظَاهِرٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الصَّلَاةُ فِي الشَّرْعِ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَخْصُوصَةِ، بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ، وَصِفَاتِهَا، وَأَنْوَاعِهَا [الْمَشْرُوعَةِ] [٥] الْمَشْهُورَةِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ سُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَعَرَّضُ لِاسْتِنْجَاحِ طلبتَه مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ بِعَمَلِهِ، مَعَ مَا يَسْأَلُ رَبَّهُ مِنْ [٦] حَاجَتِهِ [٧] .
[وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصلَوَيْن إِذَا تَحَرَّكَا فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ [٨] الرُّكُوعِ، وَهُمَا عِرْقَانِ يَمْتَدَّانِ مِنَ الظَّهْرِ حَتَّى يَكْتَنِفَا [٩] عَجْبَ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ سُمِّي الْمُصَلِّي؛ وَهُوَ الثَّانِي لِلسَّابِقِ فِي حَلْبَةِ الْخَيْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصَّلَى، وَهُوَ الْمُلَازَمَةُ لِلشَّيْءِ مِنْ قَوْلِهِ: {لَا يَصْلاهَا} أَيْ: يَلْزَمُهَا وَيَدُومُ فِيهَا {إِلا الأشْقَى} [اللَّيْلِ: ١٥] وَقِيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَصْلِيَةِ الْخَشَبَةِ فِي النَّارِ لِتُقَوَّمَ، كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَوِّمُ عِوَجَهُ بِالصَّلَاةِ: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٥] وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الدُّعَاءِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [١٠] .
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا في موضعه، إن شاء الله.
[١] صحيح البخاري برقم[٨] وصحيح مسلم برقم (١٦) .
[٢] البيت في تفسير الطبري (١/٢٤٢) .
[٣] في ب: "الآخر".
[٤] البيت في تفسير الطبري (١/٢٤٢) .
[٥] زيادة من ط.
[٦] في جـ، ط، ب، أ، و: "فيها".
[٧] في أ، و: "حاجاته".
[٨] في أ: "في".
[٩] في أ: "يكشفا".
[١٠] زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.