التفسير الوسيط لطنطاوي - طنطاوي، محمد سيد - الصفحة ٣٠٩
وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ أى: وإذا النجوم تهاوت وتساقطت وتفرقت، ويقال: نثرت الشيء على الأرض، إذا ألقيته عليها متفرقا. فانتثار الكواكب معناه: تفرقها عن مواضعها التي كانت فيها.
وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ أى: شققت جوانبها، فزالت الحواجز التي بينها، واختلط بعضها ببعض فصارت جميعها بحرا واحدا، فقوله فُجِّرَتْ مأخوذ من الفجر- بفتح الفاء- وهو شق الشيء شقا واسعا، يقال: فجر الماء فتفجر، إذا شقه شقا واسعا ترتب عليه سيلان الماء بشدة.
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ أى: صار باطنها ظاهرها، وخرج ما فيها من الموتى مسرعين، يقال: بعثر فلان متاعه، إذا فرقه وبدده وقلب بعضه على بعض.
والمراد أن التراب الذي كان فيها يبعثر ويزال، ويخرج الموتى من تلك القبور للحساب والجزاء.
وقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ جواب إِذَا في الآيات الأربع.
أى: إذا تم ذلك، علمت كل نفس ما قدمت من خير أو شر، وما أخرت من سنة حسنة، أو سنة سيئة يعمل بها بعدها.
قال الجمل ما ملخصه: واعلم أن المراد من هذه الآيات أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وهي هنا أربعة: اثنان منها يتعلقان بالعلويات، واثنان يتعلقان بالسفليات، والمراد بهذه الآيات: بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف ... وإنما كررت إذا لتهويل ما في حيزها من الدواهي.
وجواب إِذَا وما عطف عليها قوله عَلِمَتْ نَفْسٌ أى: علمت كل نفس وقت هذه المذكورات الأربعة ما قَدَّمَتْ من الأعمال وما أخرت منها فلم تعمله.
ومعنى علم النفس بما قدمت وأخرت: العلم التفصيلي. وذلك عند نشر الصحف- كما تقدم في سورة التكوير- أما العلم الإجمالى فيحصل في أول زمن الحشر، لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة ... [١] .
وبعد أن أشار- سبحانه- إلى أهوال علامات الساعة التي من شأنها أن تنبه العقول والحواس والمشاعر ... أتبع ذلك بنداء للإنسان فقال- تعالى-:
[١] حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٤٩٨.