التفسير الوسيط لطنطاوي - طنطاوي، محمد سيد - الصفحة ١٦٢
بعدنا أو يموت بعضنا ويحيا البعض الآخر إلى زمن معين، أو نكون أمواتا في أصلاب آبائنا، ثم نحيا بعد ذلك عند الولادة.
وَما يُهْلِكُنا عند انتهاء آجالنا إِلَّا الدَّهْرُ أى: إلا مرور الزمان، وكر الأعوام وتقلب الشهور والأيام.
قال ابن كثير ما ملخصه «يخبر- تعالى- عن قول الدهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ... أى: ما ثمّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثمّ معاد ولا قيامة ...
ولهذا قالوا: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ- أى: إلا مرور الأيام والليالى- فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ...
وفي الحديث الصحيح- الذي رواه الشيخان وغيرهما- عن أبى هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: يقول الله- تعالى-: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره.
والمقصود من هذا الحديث النهى عن سب الدهر، لأن الله- تعالى- هو الخالق له، فمن يسب الدهر، فكأنما سب الله- تعالى- لأنه- سبحانه- هو الذي يقلب الليالى والأيام.
وقد كان العرب في الجاهلية إذا ما أصابتهم شدة أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال والمصائب إلى الدهر ويسبونه [١] .
وقوله- تعالى-: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ رد عليهم فيما قالوه من أقوال باطلة تتعلق بإنكارهم للبعث والحساب.
أى: وليس لهم فيما زعموه من إنكارهم للبعث من علم مستند إلى نقل أو عقل، إن هم إلا يظنون ظنا مبنيا على الوهم والضلال.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ أى: وإذا تليت عليهم آيات القرآن، الواضحة في دلالتها على أن يوم القيامة حق، وأن الحساب حق.
ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أى: ما كان ردهم على من يذكرهم بالبعث إلا أن قالوا لهم: أعيدوا إلينا آباءنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين في قولكم:
إن هناك بعثا وحسابا وثوابا وعقابا.
[١] راجع تفسير ابن كثير ج ٧ ص ٢٥٣.