التفسير الوسيط لطنطاوي - طنطاوي، محمد سيد - الصفحة ١٠١
آخر، تعقبه مرحلة أخرى أشد منه في الضعف، وهي مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة التي هي أرذل العمر، وفيها يصير الإنسان أشبه ما يكون بالطفل الصغير في كثير من أحواله..
يَخْلُقُ- سبحانه- ما يَشاءُ خلقه وَهُوَ الْعَلِيمُ بكل شيء الْقَدِيرُ على كل شيء.
فأنت ترى أن هذه الآية قد جمعت مراحل حياة الإنسان بصورها المختلفة.
ثم بين- سبحانه- ما يقوله المجرمون عند ما يبعثون من قبورهم للحساب فقال:
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ.
والمراد بالساعة: يوم القيامة، وسميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من عمر الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، والمراد بقيامها: حصولها ووجودها، وقيام الخلائق في ذلك الوقت للحساب أى: وحين تقوم الساعة ويرى المجرمون أنفسهم وقد خرجوا من قبورهم للحساب بسرعة ودهشة، يقسمون بأنهم ما لبثوا في قبورهم أو في دنياهم، غير وقت قليل من الزمان.
قال ابن كثير: يخبر الله- تعالى- عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأصنام، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم- أيضا- فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة. ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم [١] .
وقوله: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ تذييل قصد به بيان ما جبلوا عليه من كذب.
ويؤفكون من الإفك بمعنى الكذب. يقال: أفك الرجل، إذا صرف عن الخير والصدق أى: مثل هذا الكذب الذي تفوهوا به في الآخرة كانوا يفعلون في الدنيا، فهم في الدارين لا ينفكون عن الكذب وعن اختلاق الباطل.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله أهل العلم والإيمان في الرد عليهم، فقال: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ.
أى: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان من الملائكة والمؤمنين الصادقين في الرد على هؤلاء المجرمين: لقد لبثتم في علم الله وقضائه بعد مفارقتكم الدنيا إلى يوم البعث، أى: إلى الوقت الذي حدده- سبحانه- لبعثكم، والفاء في قوله- تعالى-: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ هي
[١] تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣٣١.