التحرير والتنوير - ابن عاشور - الصفحة ١٩٤
الشَّيْءِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْأَجْسَامَ مُنْتَصِبَةً عَلَى الْأَرْضِ فَأُولَاهَا مَا كَانَ إِلَى السَّمَاءِ وَآخِرُهَا مَا يَلِي الْأَرْضَ.
وَأُطْلِقَتِ الْأَعْجَازُ هُنَا عَلَى أُصُولِ النَّخْلِ لِأَنَّ أَصْلَ الشَّجَرَةِ هُوَ فِي آخِرِهَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ.
وَشُبِّهَ النَّاسُ الْمَطْرُوحُونَ عَلَى الْأَرْضِ بِأُصُولِ النَّخِيلِ الْمَقْطُوعَةِ الَّتِي تُقْلَعُ مِنْ مَنَابِتِهَا لِمَوْتِهَا إِذْ تَزُولُ فُرُوعُهَا وَيَتَحَاتُّ وَرقهَا فَلَا تبقى إِلَّا الْجُذُوعُ الْأَصْلِيَّةُ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَعْجَازًا.
ومُنْقَعِرٍ: اسْمُ فَاعِلِ انْقَعَرَ مُطَاوِعُ قَعَرَهُ، أَيْ بَلَغَ قَعْرَهُ بِالْحَفْرِ يُقَالُ: قَعَرَ الْبِئْرَ إِذَا انْتَهَى إِلَى عُمْقِهَا، أَيْ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ قُعِّرَتْ دَوَاخِلُهُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ لِعُودِ النَّخْلِ إِذَا طَالَ مُكْثُهُ مَطْرُوحًا.
وَمُنْقَعِرٍ: وَصْفُ النَّخْلِ، رُوعِيَ فِي إِفْرَادِهِ وَتَذْكِيرِهِ صُورَةُ لَفْظِ نَخْلٍ دُونَ عَدَدِ مَدْلُولِهِ خِلَافًا لِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة: ٧] وَقَوْلِهِ: وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ [الرَّحْمَن: ١١] .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْن الْأَنْبَارِي سُئِلَ الْمُبَرِّدُ بِحَضْرَةِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي (¬١) عَنْ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ مِنْ جُمْلَتِهَا، قِيلَ لَهُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [الْأَنْبِيَاء: ٨١] وجاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ [يُونُس: ٢٢] وَقَوْلِهِ: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة: ٧] وأَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؟ فَقَالَ كُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَإِنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ إِلَى اللَّفْظِ تَذْكِيرًا أَوْ إِلَى الْمَعْنَى تأنيثا» اه.
وَجُمْلَة كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ النَّاسَ وَوجه الْوَصْف ب مُنْقَعِرٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الرِّيحَ صَرَعَتْهُمْ صَرْعًا تَفَلَّقَتْ مِنْهُ بُطُونُهُمْ وَتَطَايَرَتْ أَمْعَاؤُهُمْ
وَأَفْئِدَتُهُمْ فَصَارُوا جُثَثًا فُرْغًا. وَهَذَا تَفْظِيعٌ لِحَالِهِمْ وَمُثْلَةٌ لَهُمْ لِتَخْوِيفِ من يراهم.
[٢١]
¬
(¬١) إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق بن حَمَّاد الْبَصْرِيّ فَقِيه الْمَالِكِيَّة بالعراق، وقاضي الْجَمَاعَة بِبَغْدَاد، توفّي سنة ٢٨٢ هـ لَهُ «أَحْكَام الْقُرْآن» .