البحر المديد في تفسير القران المجيد - ابن عجيبة - الصفحة ١٧٠
يقول الحق جلّ جلاله: وَاذكر يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ [١] من كفار المتقدمين والمتأخرين إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ يُضمون ويُساقون إلى النار، ويُحبس أولهم على أخرهم، فيستوقف سوابقهم حتى تلحق بهم تواليهم، وهي عبارةٌ عن كثرة أهل النار، وأصله: من وزَعته، أي: كففته. حَتَّى إِذا ما جاؤُها أي: حضروها، و «حتى» : غاية للحشر، أو: ليوزعون، و «ما» : مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، فبمجرد حضورهم شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ أي: بَشَراتهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا، من فنون الكفر والمعاصي، بأن ينطقها الله تعالى، ويظهر عليها آثار ما اقترفوا بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن المراد بشهادة الجلود: شهادة الفروج، كقول الشاعر:
أوَ سالم مَنْ قد تث ... نَّى جِلْدُه وابْيَضَّ رَأسُه [٢]
فكنَّى بجلده عن فرحه، وهو الأنسب لتخصيص السؤال بها في قوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا، فإن ما تشهد به من الزنا أعظم جناية وقُبحاً، وأجلب للحزن والعقوبة، مما تشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطها. روي: أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب، أليس قد وعدتني ألا تظلمني؟ فيقول تعالى:
فإن لك ذلك، قال: فإني لا أقبل عليّ شاهداً إلا من نفسي، قال تعالى: أوَ ليس كفى بي شهيداً، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيُختم على فِيهِ، وتتكلم أركانُه بما كان يعمل، فيقول لهن: بُعْداً لكُنَّ وسُحْقاً، عنكُنَّ كنتُ أُجادل» [٣] .
قالُوا في جوابهم: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ من الحيوانات، وأقدرنا على بيان الواقع، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وما كتمناها. أو: ما نطقنا باختيارنا، بل انتقنا الله الذي أنطق كل شيء. وقيل:
سألوها سؤال تعجُّب، فالمعنى حينئذ: وليس نطقنا بعجب من قدرة الله- تعالى- الذي أنطق كل شيء، وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فإن مَن قدر على خلقكم أول مرة، وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه،
[١] قرأ نافع ويعقوب «نحشر» بنون العظمة. و «أعداء» بالنصب، مفعول به. وقرأ الباقون بياء الغيب مضمومة، و «أعداء» بالرفع على النيابة. انظر الإتحاف (٢/ ٤٤٣) .
[٢] جاء البيت فى تفسير القرطبي (٧/ ٥٩٧٠) مسبوقا ببيت آخر هو:
المرء يسعى للسلا ... مة والسلامة حسبه
وعزاه القرطبي لعامر بن جؤية.
[٣] أخرجه مسلم فى (الزهد والرقائق، ٤/ ٢٢٨١، ح ٢٩٦٩) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.