البحر المديد في تفسير القران المجيد - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٢
أيضاً: أنه لما انتهى إلى العرش صار كله بصراً، وبهذا يرتفع الخلاف، وأنه رآه ببصر رأسه وقوله صلّى الله عليه وسلم، حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ فقال: «نورَاني أراه» [١] وفي رواية: «نورٌ أَنَّى أراه» ؟ [٢] بالاستفهام، وفي طريق آخر:
«رأيت نوراً» [٣] وحاصلها: أنه رأى ذات الحق متجلية بنور من نور جبروته إذ لا يمكن أن ترى الذات إلا بواسطة التجليات، كما هو مقرر عند محققي الصوفية، كما قال الشاعر:
وليستْ تُنال الذاتُ من غير مَظهرٍ ... ولو هُتك الإنسانُ من شدةِ الحرصِ
وقال كعب لابن عباس: إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلَّم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين [٤] . وقيل لابن عباس: ألم يقل الله: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [٥] ، قال: ذلك إذا تجلّى بنوره [٦] . الذي هو نوره الأصلي، يعني أن الله تعالى يتجلّى لخلقه على ما يطيقون، ولو تجلّى بنوره الأصلي لتلاشى الخلق، كما قال في الحديث: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كشَفَهُ لأحرقت تجليات وجهه ما أدركه من بصره» [٧] .
أَفَتُمارُونَهُ أي: أفتجادلونه، من: المراء، وهو المجادلة، واشتقاقه من: مَرْي الناقة، وهو استخراج لبنها، كأنَّ كل واحد من المتجادلين يَمْري ما عند صاحبه، أي: يستخرجه. وقرىء في التواتر: «أَفَتَمْرُونه» [٨] أي:
أفتغلبونه. ولما فيه من معنى الغلبة، قال تعالى: عَلى ما يَرى فعدّى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا، وقيل:
أفتمرونه: أفتجحدونه، يقال: مريته حقّه: جحدته، وتعديته ب «على» على مذهب التضمين، والمعنى: أفتُخاصمونه على ما يرى معاينة، وحققه باطنا.
[١] ذكر هذه الرّواية بنصها السيوطي فى الدر المنثور (٦/ ١٦٠) وعزاها لمسلم والترمذي وابن مردويه، عن أبى ذر، ولم أقف عليها فى مسلم والترمذي. وقال الإمام النّووى فى شرح صحيح مسلم (٣/ ١٢) : قال الإمام المازري: وروى: «نورانى أراه» بفتح الرّاء وكسر النّون وتشديد الياء، ويحتمل أن يكون معناه راجعا إلى ما قلنا، أي: خالق النّور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال.
وقال القاضي عياض- رحمه الله: هذه الرّواية لم تقع إلينا، ولا رأيتها فى شىء من الأصول. هـ.
[٢] أخرجه مسلم فى (الإيمان، باب فى قوله صلّى الله عليه وسلم: نور أنى أراه، رقم ٢٩١، ح ١٧٨) .
[٣] أخرجه مسلم فى الموضع السابق (رقم ٢٩٢) .
[٤] أخرجه بطوله الترمذي فى (التفسير، باب ومن سورة النّجم، ح ٣٧٢٨) .
[٥] من الآية ١٠٣ من سورة الأنعام.
[٦] أخرجه البيهقي فى الأسماء والصفات (ص ٤١٠) وضعّفه، عن عكرمةُ عن ابن عباس، بلفظ: «قال: يا لا أم لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شىء» .
[٧] جزء من حديث صحيح أخرجه مسلم فى (الإيمان، باب فى قوله عليه السلام: «إنَّ الله لا ينام، رقم ٢٩٣ ح ١٧٩) عن أبى موسى رضي الله عنه.
[٨] «أفتمرونه» بفتح التاء وسكون الميم بلا ألف. وبها قرأ حمزة والكسائي ويعقوب، وخلف. وقرأ الجمهور «أفتمارونه» بضم التاء وفتح الميم وألف بعدها. انظر الإتحاف (٢/ ٥٠١) .