العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤

أمّا الموضوعات التيّ تناولها العقد، فقد تنوّعت و توزّعت بين السياسة و السلطات، و الحروب و مدار أمرها، و الأمثال و المواعظ، و التّعازي و المراثي و كلام الأعراب و خطبهم و أنسابهم و علومهم و آدابهم و أيّامهم و اخبار مشهوريهم من الخلفاء و القادة، هذا فضلا عن تضمينه كتابه كثيرا من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية، و كثيرا من الأشعار و الأخبار التاريخية، و إثباته لنفسه كثيرا من القصائد التي وردت على شكل معارضات لشعر كبار الشعراء في الموضوعات التي استشهد بأشعارهم عليها.

و قد صاغ صاحب العقد موضوعاته و ما تضمّنها من معلومات بأسلوب أدبيّ، واضح بحيث نراه يهذّب كلّ ما جمعه، و يصفّيه من الأسانيد التاريخية لأنّ غايته من تأليف كتابه كانت أدبيّة بحتة، هذا و نلاحظ في كتابه ميلا إلى الفكاهة و الدّعابة، و نزوعا إلى القصص و النّوادر و النكات، فنراه في كتابه يذكر الكثير من ذلك أو لا يستنكف عن ذكر بذي‌ء اللفظ و سافل المعنى، و رغم كلّ ذلك فإنّ المسحة الأدبيّة تبدو قويّة في كتابه بحيث يشعر بها كلّ من يقرأ العقد أو يتصفّحه فقد أراد الرجل أن يكون كتابه «مجموعة من متخيّر الآداب و محصول جوامع البيان» و قد وفّق إلى ذلك و سبق الكثيرين ممّن ألّفوا على شاكلة كتابه، و امتاز على غيره بالوضوح و السهولة و حسن الترتيب و التنسيق حتى غدا كتابه كلاّ متماسكا و سفرا جامعا لأكثر علوم عصره إن لم نقل كلّها، هذا و قد تضمّن العقد «ما لا يقل» عن عشرة آلاف بيت من الشعر لأكثر من مائتي شاعر من العصر الجاهلي و الأموي و العباسي، و ربّما يصعب أن نذكر شاعرا معروفا لا نرى عنه خبرا أو نتفا من شعره، استشهد بها ابن عبد ربه لمناسبة ما فضلا عن تخصيصه كتابا لأعاريض الشعر و علل القوافي، كما تضمّن العقد خطبا كثيرة و رسائل عديدة لكثير من الأدباء و المتراسلين..

كذلك فإنّ في العقد فصولا نقدية قيّمة نقلها من الكتب السابقة لكتابه و يجدر بمن يتعاطى مهنة الأدب أن يطلع عليها للإفادة منها، كما أن فيه فصولا دينية قيّمة، فقد ذكرنا من قبل أنّ الرجل كان فقيها، فلا غرو إذا ظهرت في كتابه الثقافة الدينية بمختلف فروعها، و نستطيع في هذا المجال أن نلاحظ أخبار كثير من الائمة الذين تقدّموه كما نلاحظ كثيرا من أقوالهم و أحكامهم و فتاويهم في بعض المسائل.