العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢

إن صغر عندها عن عظمه عند اشبيلية فإنّ لتقارب برّيه هنالك، و تقطّع غدره و مروجه معنى آخر، و حلاوة أخرى، و زيادة أنس، و كثرة أمان من الغرق، و في جوانبه من البساتين و المروج ما زاده نضارة و بهجة.

في هذه البيئة المليئة بالعطر و الورود و الأفياء نشأ صاحب العقد، و أمضى سحابة شبابه مستمتعا بطبيعة بلاده و أجوائها المساعدة على النظم و اللهو و الغناء، و لذا فقد أولع الرجل بسماع الغناء و الطرب اللذين شاعا في المدن الأندلسيّة أيّما شيوع، حتّى أصبحت بلاطات الأمراء مسارح للمغنّيات و القيان اللواتي كنّ يفدن إلى هناك من مختلف الأقطار العربية في بداية الأمر كالجارية العجفاء، و قد استأثرت قرطبة باستقبال روّاد هذا الفن، ثم انتقل مركز الغناء إلى اشبيلية حتى ظنّ أنّها عاصمة هذا الفنّ. و تفرّدت قرطبة بالعلم و الفقه، و أصبحت عاصمة الأدب و حاضنة علوم الدين.

و كان طبيعيّا أن يتأثر أديبنا بطبيعة بلاده، و يساير تلك الموجة العارمة من الطرب و اللهو و العبث و المجون، فشرب الخمرة، و طرب لسماع الأصوات العذبة، و هذا ما يمكننا أن نستشفّه من خلال شعره المبثوث في ثنايا عقده. و من الواضح أنّ الرجل قد تاب عن غيّه و عاد إلى رشده خلال العقد الرابع من عمره، فطرق باب الفقه، و تتلمذ على شيوخ عدة نذكر منهم الخشني، و ابن وضاح، و بقي بن مخلد، و في تلك الحقبة من الزمن كانت دراسة الفقه مدخلا و ممهدا لتسلّم المراكز الرفيعة، فامتلأت المدن الأندلسية التي خضعت للحكم العربي و خاصة قرطبة بالعلماء و الأدباء و الفقهاء..

و يظهر أنّ صاحب العقد كان على صلة مع أمراء عصره، فقد مدح أمير قرطبة محمد بن عبد الرحمن الحكم، كما كان على صلة بابنه المنذر أيضا، و في هذه الحقبة من تاريخ الأندلس كثرت الفتن، حتى أن أحد قوّاد الفتنة، عمر بن حفصون، قد هدّد السلطة الأمويّة، و قد نعته ابن عبد ربه، بالمارق الفاسق..

و اتصل صاحب العقد كذلك بالقائد العربي ابراهيم بن الحجاج الذي جعل أمارته في أشبيلية، و كان كريما سخيّا على الأدباء و الشعراء، فوفد إلى بلاطه معظم علماء الأندلس و شعرائها.