مرآة العقول - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٩٣ - باب ذم الدنيا والزهد فيها
بقلوبهم وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء
______________________________________________________
إلا إلى الله أي رضاه أو معرفته ومراقبته وذكره وعدم الالتفات إلى غيره وإلى محبته أي تحصيل حبهم لله أو حب الله لهم أو الأعم كما قال تعالى : « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » [١] أو ما يحبه الله من الأخلاق والأعمال والأقوال.
« وعلموا أن ذلك » أي المذكور وهو الله ومحبته والإشارة للتعظيم « هو المنظور إليه » أي هو الذي ينبغي أن ينظر إليه لا غيره لعظمة شأنه وحقارة ما سواه بالنسبة إليه.
« فأنزل الدنيا » أي اجعلها عند نفسك كمنزل نزلته « ثم ارتحلت عنه » بل هذه الدنيا بالنسبة إلى الآخرة أقصر بالمراتب الغير المتناهية عن نسبة مدة نزول المنزل بالنسبة إلى مدة عمر الدنيا لأن الأولى نسبة المتناهي إلى غير المتناهي ، والثانية نسبة المتناهي إلى المتناهي.
والغرض العمدة من التشبيه أنها لم تخلق للتوطن بل للعبور كما أن منازل المسافر إنما بنيت لذلك وقد قال بعض الشعراء في هذا المعنى :
|
نزلنا ههنا ثم ارتحلنا |
|
كذا الدنيا نزول وارتحال |
|
أردنا أن نقيم فيها ولكن |
|
مقيم المرء في الدنيا محال |
وهذا مثل للمبتدين ثم ذكر مثلا كاملا للكاملين وهو « أو كما وجدته في منامك » إلخ ، فإن أكثر الناس في الدنيا كالنائمين لغفلتهم عن الآخرة وعما يراد بهم ، فإذا ماتوا لم يجدوا معهم شيئا مما اكتسبوه في الدنيا للدنيا ، كما قال أمير المؤمنين عليهالسلام : الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
ثم ذكر عليهالسلام تمثيلا ثالثا وهو أنها كفيء الظلال في سرعة الزوال ، والظلال
[١] سورة المائدة : ٥٤.