شرح الحلقة الثّالثة - حسن محمّد فيّاض حسين العاملي - الصفحة ٢٤١ - وفاء الدليل بدور القطع الطريقي والموضوعي
في المفهوم ، نظير المجاز العقلي السكّاكي. فإنّ اعتبار الرجل الشجاع أسدا ليس فيه مجاز في اللفظ ، فإنّ الرجل الشجاع على معناه الحقيقي والأسد على معناه الحقيقي فالمفهوم ثابت من دون أيّة عناية مجازيّة ، وإنّما المجازيّة في المصداق بحيث إنّ العقل يحكم بوجود مصداق آخر للأسد ادّعاء واعتبارا. فالأسد يشمل الحيوان المعروف ويشمل الرجل الشجاع على حدّ واحد ، فهو مستعمل في معناه الحقيقي. غاية الأمر إنّ له فردين أحدهما حقيقي وتكويني ، والآخر ادّعائي واعتباري اخترعه العقل وأوجده.
وهنا كذلك فإنّ دليل الحجّيّة يعتبر الأمارة علما ادّعاء واعتبارا ، بمعنى أنّ العلم على حاله وهو الانكشاف التامّ ، وهذا المفهوم له فردان أحدهما فرد حقيقي تكويني وهو العلم الوجداني أي القطع واليقين ، والآخر هو العلم التعبّدي الاعتباري الجعلي والذي هو الأمارة ، فالشارع جعل الأمارة وهذا الظنّ علما ، بمعنى أنّها مصداق من مصاديق العلم اعتبارا وادّعاء.
وحينئذ فإذا ثبت كونها علما ، فتترتّب عليها آثار العلم من المنجّزيّة والمعذّريّة ، فإنّهما من آثار العلم والأمارة مصداق ادّعائي للعلم كما أنّ القطع مصداق حقيقي للعلم.
وفرق هذا عن التنزيل أنّ التنزيل ينزّل الأمارة منزلة القطع ، بحيث يريد إسراء آثار القطع عليها مع الحفاظ على كونها ظنّا ، فيرد عليه الإشكال السابق. وأمّا هنا فإنّه يسري آثار العلم للأمارة لا بوصفه أمارة وظنّا ، بل بوصفها علما ، أي أنّه يوجد الموضوع ، فإذا تحقّق الموضوع ثبت الحكم.
وهذا المسلك يسمّى بالحكومة ، أي أنّ أدلّة جعل الحجّيّة للأمارة حاكمة على ( قبح العقاب بلا بيان ) ؛ لأنّها توجد العلم والبيان ، بمعنى أنّها توسّع الموضوع ليشمل العلم الحقيقي والعلم الاعتباري [١].
[١] إلا أنّ هذا المسلك غير صحيح في نفسه ، أوّلا. وثانيا : كما تقدّم من أنّ الحكومة نوع من التخصيص إلا أنّها بلسان رفع الموضوع ادّعاء ، والأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص كما تقدّم في شبهة ابن قبة الثالثة.
وثالثا : أنّ الحكومة كما سيأتي يشترط فيها النظر بين الحاكم والمحكوم ، وهنا الحاكم دليل شرعي والمحكوم هو دليل عقلي ولا يمكن النظر فيهما لعدم وحدة الرتبة ، فإنّ كلاّ منهما من سنخ خاصّ يختلف عن الآخر.