الواضح في شرح العروة الوثقى - ط آل البيت - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٢ - السر في الاجزاء في الوقوف معهم مع عدم العلم بالخلاف السيرة
الفقهاء كالسيد الحكيم والسيد الخوئي ( قدس سرهما ) كما في السؤال الموجه إليه : أنها « تبتني على أساس أن الطريقة التي كانت متبعة لثبوت الهلال من قبل السلطات الحاكمة في عصر المعصومين : هي نفسها الطريقة المتبعة في ذلك من قبل الجهات الرسمية في العصر الحاضر ، ولكن لا توجد شواهد تاريخية تؤيد هذا المعنى ، سواء في العصر الأموي أو العباسي ، بل الظاهر أنهم كانوا يشددون في أمر الهلال ، ولا يحكمون بثبوت رؤيته ودخول الشهر الجديد بمجرد شهادة شخص أو شخصين مع صفاء الجو ووجود عدد كبير من المستهلين من دون أن يتيسر لهم رؤية الهلال ، على خلاف النهج السائد في ذلك في هذا العصر الذي يكتنف ثبوتها فيه بملابسات اُخرى أيضاً كما لا يخفى ، ومن شواهد التشدد في ثبوت الهلال في العصر الأموي ما حكي من أن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - الذي كان يُعد من كبار فقهائهم في المدينة - ذهب بجمع شهدوا برؤية الهلال إلى إبراهيم بن هشام المخزومي أمير الحاج في عام ١٠٥ فلم يقبلهم ، فوقف سالم بعرفة لوقت شهادتهم ، ثمّ دفع ، فلما كان اليوم الثاني وقف مع الناس .
وأما في العصر العباسي فقد جرى الأمر فيه على نفس هذا المنوال ، ولاسيّما بعد أن عهدوا بمنصب القضاء إلى أبي يوسف أبرز تلامذة أبي حنيفة ، وحظي بتأييد الخليفة فميا يتعلق بشؤون التشريع ، وكان مذهبه في الهلال أنه متى ما كانت السماء مصحية فلا تقبل الشهادة برؤيته إلاّ من جماعة يقع العلم للقاضي بشهادتهم ، وقدّر عددهم بعدد القسامة خمسين رجلاً .
وعلى ذلك فلا يصح أن يقاس ذلك العصر بالعصر الراهن الذي يتبع فيه من بيده أمر الموقف مذهب أحمد بن حنبل وأتباعه القائلين بثبوت هلال رمضان بشاهد واحد وهلال سائر الشهود بشاهدين ، وإن كانت السماء صاحية واستهل جمع كثيرون ، ولم يدع الرؤية غير واحد أو اثنين . وبالجملة : لم يكن مبنى القوم في عصر المعصومين : على المساهلة والمسامحة في قبول الشهادات برؤية الهلال ، بل كانوا يشددون فيه ، وربّما أدى ذلك بهم إلى التأخير في أول الشهر عن وقته الشرعي ، كما يظهر ذلك من خبر لقاء الإمام الصادق ٧ مع الخليفة أبي العباس السفاح في الحيرة في يوم الشك من رمضان عند الخليفة الذي كان أول الشهر عند الإمام ٧ حيث دعاه إلى الآكل فاضطر ٧ إلى الإجابة تقية . وكيف كان ، فلا شاهد على ما ادعي من مخالفة الوقوف الرسمي في عرفات والمزدلفة لما تقتضيه الموازين الشرعية في أكثر السنوات ، بل أوضح شاهد على خلاف ذلك هو عدم ورود ذكر لهذه المخالفة في شيء من الروايات صحيحها وسقيمها ، مع أنها متعلقة بجملة من أهم مناسك الحج أعني الوقوفين وأعمال منى » مناسك الحج وملحقاتها : ٢٢٦ - ٢٢٧ .
ولكن أقول : أوّلاً ، دعوى التشدد في الهلال ليست إلاّ كدعوى التساهل ، ولا فرق بينهما أصلاً ، فإنه على كل منهما لا يحرز المكلف الوقوف في اليوم التاسع من ذي الحجة ، بل دعوى التشدد المنجر عادة إلى المخالفة ، أولى بالاعتماد على السيرة ، لأنه قد يكون غالباً مع العلم بأن يوم عرفة هو اليوم السابق على وقوفهم ، فيفيد عدم ورود نص في المقام - لا كالصوم - ولا تاريخ بوقوف الأئمّة : أو اتباعهم في اليوم السابق على وقوف أبناء العامّة على مدى مائتي عام صحّة الوقوف معهم حتّى مع العلم بالخلاف كما ذهب إليه جمع من الفقهاء ، فضلاً عن الشك فيه ، فكيف لا يكون ذلك دالاً على صحّة الاعتماد على السيرة في صحّة الوقوف معهم مع الشك في الموافقة والمخالفة ويكون مانعاً من الاعتماد على السيرة ، على أن في مدة مائتي عام لا شك تتعاقب حالات التشدد والتساهل والتسامح - إن