الواضح في شرح العروة الوثقى - ط آل البيت - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٠١ - هل حرمة الاستظلال تشمل النهار والليل أو مختصة بالنهار دون الليل
إنما هو عن الشمس ، وفي تاج العروس - وكل كتب اللغة الاُخرى - والظل الليل نفسه وهو قول المنجمين زعموا ذلك ، قالوا : وإنما اسودّ جداً لأنه ظل كرة الأرض ، وبقدر ما زاد بدنها في العظم ازداد سواد ظلها » تاج العروس ١٥ : ٤٥١ ، ومن الواضح أنه ظل كرة الأرض من الشمس .
وفي مجمع البحرين « والظل الفيء الحاجز بينك وبين الشمس أي شيء كان وقوله تعالى : ( وَظِلّ مَّمْدُود ) أي دائم لا تنسخه الشمس كظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وفي الحديث عن نضر بن قابوس قال : ( سألت أبا عبد الله ٧ عن قوله تعالى : ( وَظِلّ مَّمْدُود وَمَآء مَّسْكُوب وَفَكِهَة كَثِيرَة لاَّ مَقْطُوعَة وَلاَ مَمْنُوعَة ) قال : يا نضر إنه والله ليس حيث يذهب الناس ، إنما هو العالم وما يخرج منه ) وفي الحديث : السلطان ظل الله في الأرض هو على الاستعارة ، لأنّه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى الشمس » مادة ظلل ، وقال أيضاً « والظل ظل الشمس ومنه امش في الظل » وكذا غير ذلك من كتب اللغة . راجع تهذيب اللغة ١٤ : ٣٥٩ ، الصحاح ٥ : ١٧٥٥ ، المصباح المنير : ٥٢٧ وغيرها ، وهذا لا يمنع استعمال هذه اللفظة في التستر عن غير الشمس أحياناً مع القرينة والمجاز ، ولا يكون ذلك مانعاً من ظهورها في معناها الحقيقي الذي ليس هو إلاّ التستر من الشمس .
ومن هذا كله يظهر أن لا إطلاق في الروايات المانعة من ركوب الكنيسة والقبة ، إذ لا موضوع للاستظلال بالليل ، وأما تعارف حركة السير أيام الصيف بالليل فهو لا يقتضي تحقق موضوع الاستظلال حتّى يكون النهي شاملاً له . على أنه لا يقتضي أن يكون جميع السير في الليل .
وأما الاستظلال من المطر فمع الالتزام بحرمته لصحيحة علي بن محمّد المتقدمة في الهامش السابق فإنها لا تقتضي عدم جواز الاستظلال ليلاً ، إلاّ إذا كانت السماء ممطرة ، ومع كونها ممطرة ليس هنا ما يدل على حرمة الاستظلال من المطر ، فإنه لم ينه عنه في صحيحة علي بن محمّد ، نعم أثبتت عليه الكفّارة ، وهي لا تدل على الحرمة ، إلاّ مع ثبوت الملازمة بين ثبوت الكفّارة والحرمة ، وثبوتها غير واضح جداً ، وإن تقدم من السيد الاُستاذ في بعض المباحث السابقة - في المسألة ٢١٩ والمسألة ٢٥٩ ] من المناسك [ - أن المستفاد من ثبوت الكفّارة عرفاً هو الحرمة وإن كان الانفكاك في بعض الموارد موجوداً ، وقلنا إن هذا لابدّ وأن يعد مؤيداً للحرمة لا دالاً عليها ، إذ مع الملازمة كيف يمكن الانفكاك .
وعلى كل حال ، إن كانت الملازمة ثابتة فلا شك في القول بالحرمة ، وإن كان الثابت عدمها فلا شك في القول بعدم الحرمة وإن كانت الكفّارة ثابتة بلا إشكال . ومع الشك في ثبوتها وعدم ثبوتها فلا شك في لزوم الاحتياط لا استحبابه ، إلاّ أن الكفّارة ثابتة للنص ، وليست هي لأجل التستر في الشمس حال المطر ، لأنّه لا شمس عادة حين المطر إلاّ نادراً ، ولم يفصّل ٧ في ثبوت الكفّارة فيها بين التستر من الشمس وبين التستر من المطر ، ومتقضى الاطلاق ثبوتها في التستر من المطر أيضاً ، فليس ثبوت الكفّارة في التستر من المطر احتياطاً لازماً .
وأما الاستظلال من الحر أو البرد فلم يعلم أن المنع في موثقة عثمان بن عيسى منه ، بل الاستظلال فيها إنما هو لأجل التستر المطلق عن الشمس الذي يوجب التحفظ من البرد أيضاً ، فإنه لم يكن في ذلك الوقت وفي وقتنا هذا أيضاً مراكب زجاجية توجب التحفظ من البرد دون الشمس ، فلم يكن التستر من البرد حاصلاً إلاّ بالتستر من الشمس أيضاً ، فأمره بركوب القبة ونحوها ممّا يستلزم منه التستر من الشمس ليتحفظ من البرد لأجل المرض حيث يشكو