الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٩٥
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري ـ حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة ـ وكان قد وادع رسول الله صلىاللهعليهوآله على قومه وعاهده على ذلك ـ فلما سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه. فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه يا كعب افتح لي ـ فقال : ويحك يا حيي إنك رجل مشئوم ، إني قد عاهدت محمدا ولست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال : ويحك افتح لي حتى أكلمك. قال : ما أنا بفاعل. قال : إن أغلقت دوني إلا على جشيشة تكره أن آكل منها معك.
فأحفظ [١] الرجل ففتح له فقال : ويحك يا كعب ـ جئتك بعز الدهر وببحر طام [٢] جئتك بقريش على قادتها وسادتها وبغطفان على سادتها وقادتها ـ قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. فقال كعب : جئتني والله بذل الدهر بجهام [٣] قد أهراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ـ فدعني ومحمدا وما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء.
فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة [٤] والغارب ـ حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا ـ لئن رجعت قريش وغطفان ـ ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك ـ حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب عهده ـ وبرىء مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلىاللهعليهوآله.
فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله ـ بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ـ أحد بني عبد الأشهل وهو يومئذ سيد الأوس ـ وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج ـ وهو يومئذ سيد الخزرج ـ ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير ـ فقال : انطلقوا ـ حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن
[١] أحفظ الرجل : أغضبه.
[٢] الطام : البحر العظيم.
[٣] السحاب الذي لا ماء فيه.
[٤] الذروة والغارب أعلى الشيء وأصله مثل مأخوذ من فتل ذروة البعير المصعب وغاربه لوضع الخطام في أنفه.