الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٩٨ - في نزول القرآن نجوماً في فصول
فقد بان بما مر أن الأمر هو كلمة الإيجاد وهو فعله تعالى الخاص به الذي لا يتوسط فيه الأسباب الكونية بتأثيراتها التدريجية وهو الوجود الأرفع من نشأة المادة وظرف الزمان ، وأن الروح بحسب وجوده من سنخ الأمر من الملكوت.
وقد وصف تعالى أمر الروح في كلامه وصفا مختلفا فأفرده بالذكر في مثل قوله : « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا » النبأ : ٣٨ ، وقوله : « تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ » الآية : المعارج : ٤.
ويظهر من كلامه أن منه ما هو مع الملائكة كقوله في الآيات المنقولة آنفا : « مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » « قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ » وقوله : « فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » مريم : ١٧.
ومنه ما هو منفوخ في الإنسان عامة قال تعالى : « ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ » الم السجدة : ٩ وقال : « فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي » الحجر : ٢٩ ـ ص : ٧٢.
ومنه ما هو مع المؤمنين كما يدل عليه قوله تعالى : « أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » المجادلة : ٢٢ ويشعر به بل يدل عليه أيضا قوله : « أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ » الأنعام : ١٢٢ فإن المذكور في الآية حياة جديدة والحياة فرع الروح.
ومنه ما نزل إلى الأنبياء عليهمالسلام كما يدل عليه قوله : « يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا » الآية : النحل : ٢ وقوله : « وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ » البقرة : ٨٧ وقوله : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا » الشورى : ٥٢ إلى غير ذلك.
ومن الروح ما تشعر به الآيات التي تذكر أن في غير الإنسان من الحيوان حياة وأن في النبات حياة ، والحياة متفرعة على الروح ظاهرا.
فقد تبين بما قدمناه على طوله معنى قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي » وأن السؤال إنما هو عن حقيقة مطلق الروح الوارد في كلامه سبحانه ، وأن الجواب مشتمل على بيان حقيقة الروح وأنه من سنخ الأمر بالمعنى الذي تقدم