منهج الرشاد لمن أراد السداد - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٢

وعلى كلّ حال لا يتأمل مسلم في أنّ العبادة الحقيقية من الصلاة والصيام وغيرهما لا تكون لغير الله، فأن كان التصديق عن الأولياء والذبح لهم والنذر لهم عبادة، فنحن عبيد آبائنا وأمهاتنا وأمواتنا الذين نتصدق عنهم، أو ننذر لهم، ونذبح لهم.

‌ وإن كان طلب الدعاء منهم وندبتهم على الدعاء والشفاعة كفراً، فعلى الأسلام السلام، فانه ليس في الوجود أحد لا يلتمس الدعاء من إخوانه، أو يستغيث بهم في طلب نجاته، وإن دعاء المؤمن للمؤمن أسرع للأجابة لأنه دعاء بلسان لم يعص به. ‌

فيا أخي، المقاصد متفاوتة، وإنّما الأعمال بالنيات ولكلّ امرىءٍ ما نوى (١)، فربّ كلمة ظاهرها الأسلام، تصير بالنية كلمة كفر، وبالعكس.

وأما قولك: فأنّ الذي يفعل عندنا في مشهد علي رضى الله عنه من دعوة، واستغاثة، ورجاء، وخوف، وخشية. انه ليس بعبادة، فأنهم ما قصدوا بدعوتهم (علياً) وغيره إلاّ ليشفع لهم عند الله.

فأن قلت: أولئك يدعون الأصنام، ونحن لا ندعو إلاّ الصالحين.

قلنا: وكذلك المشركون منهم يدعون الصالحين ويعبدونهم مع الله، كعيسى ومريم والملائكة.

فأن قلتم: إنّ الدعوة لا تسمّى عبادة.

قلنا: بل هي عبادة وأي عبادة، ففي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الدعاء هو العبادة. ويلي قوله تعالى: (ادعوني أستجب لكم)[٢] .

وأصل دين الأسلام هو إخلاص العبادة بجميع انواعها من الذبح والدعوة، والنذر، والتوكل، والخشية، والرغبة، والأنابة، ولا يقبل الله من الأعمال إلاّ ما اجتمع فيه شرطان:

الأول: ألاّ يعبد إلا الله وحده.

الثاني: ألا يعبد إلاّ بما شرع على لسان رسوله، كما قال الله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً)[٣] .


[١] البخاري (بدء الوحي)، باب ١؛ وصحيح مسلم (كتاب الأمارة)، باب ١٥٥؛ والنسائي (كتاب الطهارة)، باب٥٩؛ وابن ماجه (كتاب الزهد)، باب ٢٦.

[٢] القرآن الكريم: ٤٠/٦٠ (سورة غافر).

[٣] القرآن الكريم: ١٨/١١٠ (سورة الكهف).