عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٥٠ - الشاعر المثقف
معروفا عند أدباء القرن الرابع، فقد حدثنا الصاحب بن عباد انه لم يجد فيمن صحبهم من الادباء من يفهم الشعر كما كان يفهمه أبو الفضل ابن العميد «فإنه كان يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف و الكلمات، و لا يرضى بتهذيب المعنى حتى يطالب بتخير الوزن و القافية» و حدثنا ان ابن العميد كان يقول «إن أكثر الشعراء ليس يدرون كيف يجب ان يوضع الشعر و يبتدأ النسج لأن حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي قصده، و المعنى الذي اعتمده، و ينظر في أي الاوزان يكون أحسن استمرارا و مع أي القوافي يحصل أجمل إطراد» [١]
فما كان ابن العميد يراه من الوجهة النظرية كان الشريف يحققه من الوجهة العملية، و ما كان الشريف شاعرا فحسب، و إنما كان كذلك من أقطاب الناقدين.
و يتصل بهذا حرصه على تحبير القصائد، و قد كان ذلك الحرص يوقعه أحيانا في المضحكات، فقد احتفل بنظم قصيدة يهنىء بها أخاه المرتضى بمولود، و لكن شاء الحظ أن تلد امرأة أخيه بنتا، فصرف القصيدة إلى غيره من الاصدقاء. و قد وقع له هذا الحادث المضحك مرتين [٢] .
و قيمة هذا الشاهد ترجع إلى دلالته على احتفال الشريف بقرض القصائد، فقد كان يتخير المناسبات و يستعد لها أتم استعداد.
و هناك وجه آخر من وجوه البصر بالتاريخ الادبي، فقد تفرد بميزة لم نجدها إلا قليلا عند غيره من الشعراء، و تلك عنايته بتاريخ قصائده، فهو الشاعر الوحيد الذي نجد جميع قصائده مؤرخة من بين سائر القدماء، و لهذا التاريخ نفع من وجهتين: فهو أو لا شاهد على شعور الشريف بأن
[١] انظر تحقيق هذه القضية في كتاب النثر الفني ج ٢ ص ٥٢ و ٥٦.
[٢] انظر الديوان ص ٢٥١ و ٤٦٢.