عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٢٠٨ - الشريف كاتبا و مؤلفا
الشريف تفرّد من بين سائر الباحثين بأسلوب يجمع بين الرقة و الجزالة في شرح أغراض القرآن و الحديث.
فكيف اتفق ذلك الشريف.
أعتقد أن مرجع ذلك إلى أخلاقه الشخصية:
فالشريف كان رجلا صريحا في جميع ما يتناول من الشؤون، و أظهر صفة من صفات الشريف هي بغض النفاق، ألم يتخذ الحج موسم صيد و هو نائب عن خليفة المسلمين؟ كان الشريف يرى أن التعبير الصريح عن أوطار القلوب لا يقع إلا من أشراف الرجال، و بهذا الرأي صح له أن يعبّر عن أحلام هواه بقصائد خالية من شوائب الزور و الرياء.
و قد انساق هذا الطبع السّمح إلى حياته العلمية فعبر عن أغراضه في اللغة و الفقه و التوحيد بعبارات هي أسلس و أرشق من تبختر الجدول الرّقراق.
٧-و هنالك خصيصة ظاهرة من خصائص الشريف، هي اندماجه اندماجا كليا في الجوّ الذي يعيش فيه: فهو في الشعر يخيّل إليك أنه لا يحلّق في غير الأجواء الشعرية، و يكاد من يطلع على ديوانه يؤمن إيمانا جازما بأنه لم يعرف التعبير عن أغراضه بغير القوافي، و مثله في ذلك مثل ابن الرومي و قد قيل إن الشعر كان أقل أدواته، و هو قول لا نصدّقه إلا بعناء، لأن شاعرية ابن الرومي أدت إلينا محصولا يمنع من الاطمئنان إلى أنه كان يعبر عن أغراضه بغير القوافي، و قد قرأنا مرة أن البختري كان من المؤلفين فلم نصدّق، لأن البحتري فيما نرى لا تجود فطرته بغير الغناء.
و قد اتفق لأبي تمام أن يكون مؤلفا، و لكن كيف؟غلب عليه التصنيف في اختيار الاشعار، و هو فن ينساق مع ذوق الشاعر كل الانسياق.