عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٨ - عبقرية الجندي المجهول
على نهج البلاغة كانت السبب الثاني في نباهة الشريف، و إنما كانت كذلك لأن الكتاب منسوب إلى علي بن ابي طالب، و هو في جوهره يؤرخ أخطر المعارك القلمية و الخطابية في العصر الاسلامي، و تصحيحه أو تزييفه يعدّ من المواقف الحاسمة في ذلك التاريخ.
فتصوروا كيف يكون الحال لو لم تشأ المقادير أن يقرن اسم الشريف الرضي باسم علي بن أبي طالب، تصوروا كيف كانت تحمل ذكراه و هو كاتب مبدع لا يعرف التاريخ الادبي له أثرا في النثر الفني إلا حين يدّعي أنه المنشىء لتلك الخطب و الحكم و العهود.
كان من حظ الشريف الكاتب أن يقرن اسمه باسم علي بن ابي طالب، و إلا فحدثوني أين رسائله الطوال التي كانت تقع في ثلاث مجلدات؟ تقولون: إن التاريخ تحامل على الشريف بسبب التشيع، إن صح ذلك فحدثوني كيف سكت عنه ادباء مصر و الشام و الحجاز و المغرب و الاندلس و هم لا يعرفون العصبية ضد التشيع؟بل حدثوني كيف سكت الشيعة أنفسهم عن رسائل ذلك الكاتب البليغ.
تقولون: إن للشريف الرضي قبة تزار بالكاظمية؟ أهلا و سهلا، و لكن هل تعرفون لأي معنى يزور الناس قبته بالكاظمية؟ أعيذكم ان تقولوا إنهم يزورونها باسم الادب و البيان.
إنهم يزورونها لمعنى ديني صرف، كما يزور المصريون قبة عمر بن الفارض، و لو لا ما شاع و ذاع من أن ابن الفارض من الاولياء لما عرف المصريون ان له ضريحا يزار و تلتمس به البركات و هل عرف المصريون قبر ابن هشام الانصاري الذي رفع القاهرة مكانا عليا و جعل هامتها في النحو مساوية لهامة بغداد؟ هل عرف المصريون قبر ابن خلدون الذي يعدّ أشرف و أعلم من