عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٢٦ - أعوام البؤس في حياة الشريف
و الواقع أن الشريف كان قليل الرعاية للعصبية المذهبية، و الظاهر أنه كان حرّ العقل إلى حدّ بعيد: فقد كان يدرس جميع المذاهب الاسلامية ليمدّ عقله بالأنوار التي يرسلها اختلاف الفقهاء، و اهتمامه بمذهب الشافعي معروف، مع أن مذهب الشافعي في ذلك العهد لم يكن له أنصار أقوياء في العراق، و إنما كان أنصاره من المصريين.
و يشهد الديوان أيضا بأن أبا أحمد الموسوي سافر إلى فارس للاصلاح بين الملكين: بهاء الدولة و صمصام الدولة، و الإصلاح بين العسكرين:
البغدادي و الفارسي.
و معنى ذلك أن هذا الرجل كان يرجى لتضميد الجروح، و ليس ذلك بالفضل القليل، و لا يعرف قيمة هذا الفضل إلا من يراجع ما دوّن التاريخ من فواجع ذلك الشقاق.
و في هذا يقول الشريف من قصيدة نظمها في رمضان سنة ٣٨٧.
سائل عن الطّود لم خفّت قواعده # و كان إن مال مقدار به رجحا [١]
قد جرّبوه فما لانت شكيمته # و حمّلوه فما أعيا و لا رزحا [٢]
رموا به الغرض الأقصى فشافهه # مرّ القطاميّ جلّي بعد ما لمحا
من العراق إلى أجبال خرّمة [٣] # يا بعده منبذا عنا و مطرّحا
ليس الملوم الذي شدّ اليدين به # يضمم على الصفقة العظمى و قد ربحا
إن أغمدوه فلم تغمد فضائله # و لا نأى ذكره الداني و قد نزحا
و في سنة ٤٠٠ مات أبو أحمد الموسوي و سنه سبع و تسعون سنة،
[١] الطود، الجبل، و القواعد: الاركان
[٢] رزح: ضعف و سقط، إعياء، أو هزالا.
[٣] خرمة على وزن سكرة موضع في أرض فارس.