عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١١٩ - أعوام البؤس في حياة الشريف
و لكن من الذي يوجب احترام عظام ذلك الميت بعد أن أهان عظام أهل البيت؟هي غلطة بغلطة، و جزاء سيئة سيئة مثلها، و ليس الشريف من المعصومين.
و في الحق أني أنكرت تلك الشماتة، و لو كنت رأيت الشريف الرضي لرجوته تمزيق هذه القصيدة!و من يدري فلعلي لو كنت مكانه لوقعت في أقبح مما وقع فيه، و هل للشعراء عقول؟ ابتدأ الشريف تلك القصيدة بمدح أبيه، فلما وصل إلى التعريض بذلك الميت قال:
و جبان لويت عنه فأمسى # و جل العين من قراع الرقاد [١]
مستطيرا كأن أهداب جفنيه # على الناظرين شوك القتاد
لا أقال الإله من خانك العهد # و جازاك بغضة بالوداد
ظن بالعجز أن حبسك ذلّ # و المواضي تصان بالإغماد
قصر الدهر من ذراه و قد كان # بتلك الظبّا طويل النجاد
و أذلّ الزمان بعدك عطفيه # و قد كان من أعز العباد
كنت ليثا و كان ذئبا و لكن # لا تلذّ الأشكال بالأضداد
و تمادى بما جناه على الأيا # م حتى جنى عليه التمادي
سمحت كفه به للمنايا # بعد أن لم يكن من بالأحواد
ظن أن المدى يطول و في الآمال # مالا يعان بالأجداد [٢]
هكذا تدرك النفوس من الاعداء # برد القلوب و الأكباد
كل حبس يهون عند الليالي # بعد حبس الارواح في الاجساد
[١] القراع بالكسر مصدر قارعه مقارعة إذا قاتله.
[٢] الأجداد: جمع جد بالفتح و هو الحظ.