عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٠٦ - أعوام البؤس في حياة الشريف
عليه تلهفا موجعا، و ينظم فيه اشعارا لها رنين الاسجاع، اسجاع الحمائم الباكية في إثر الأليف المفقود.
و ما كان اعتقال والد الشريف إلا نكبة حلّت بذلك البيت:
فقد ذهبت دنيا اولئك الناس مرة واحدة، إذ سجن سيد البيت، ثم صودرت الأملاك، و تتابعت الرزايا على صورة تنبت الشجى في اقسى القلوب.
و زاد في تلك المأساة انها صادفت فتى رقيق الحس، مرهف القلب، شاعر الروح، فصيّرته وترا حنّانا يجيد تصوير الأسى و ترجيع الأنين.
و ضاعف من نكد تلك البلية أن ذلك الفتى كان يرى الكفر اهون من المكسب الخسيس: فساقه التصون إلى الضنك، و لم يبق امامه و امام اخيه غير التصرف فيما كانت تملك امهما الرؤوم، و قد قسا الدهر و عنف فاضطرّ تلك السيدة إلى بيع املاكها و حليّها لتضمن لولديها العزيزين عيش الكفاف إلى أن يمن اللّه على زوجها بالخلاص.
ايها السادة:
لم أرد ان أطيع القلم و انا اكتب هذه المحاضرة فأغزو قلوبكم بالحزن على رجل صار في ذمة التاريخ، و يكفي ان تعرفوا ان صاحبنا لم يقل الشعر الجيّد و هو ابن عشر سنين إلا لأن الزمن رماه في طفولته بما يمنح الأطفال عقول الكهول، و سترون في الليالي المقبلة انه بدأ يشكو الشيب و هو في سن العشرين «و شيب الرأس من شيب الفؤاد» .
و الآن نواجه اشعار الشريف في مدح ابيه فنقول: