عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٨٩ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
كان لشعره من الذيوع في الاقطار الشامية و الديار المصرية.
و في القرن الرابع نبغ ابن درّاج الأندلسي، و قد فصلت أخباره و وازنت بينه و بين أبي نواس في كتاب «الموازنة بين الشعراء» و إنما يهمني أن أنص على أن في أشعاره ما يدل على أنه رحل إلى المشرق فعرف العراق و خراسان إذ يقول:
فإن غرّبت أرض المغارب موئلي # و أنكرني فيها خليط و خلاّن
فكم رحّبت أرض العراق بمقدمي # و أجزلت البشرى عليّ خراسان
و إن بلادا أخرجتني لعاطل # و إن زمانا خان عهدي لخوّان
سلام على الإخوان تسليم آيس # و سقيا لدهر كان لي فيه إخوان
فلا مؤنس إلا شهيق و زفرة # و لا مسعد إلا دموع و أجفان
و ما كان ذاك البين بين أحبة # و لكن قلوب فارقتهن أبدان
فيا عجبا للصبر منا كأننا # لهم غير من كنا و هم غير من كانوا
مضى عيشهم بعدي و عيشي بعدهم # كأني قد خنت الوفاء و قد خانوا
و لا تندهشوا أيها السادة حين أحدثكم عن غيرة الشريف الرضي من سلطان الشعراء في المشرق و المغرب، فقد كانت الدواوين الشعرية تصل إلى بغداد في حيوات أصحابها، و كانت بغداد تشعر بخطر المنافسة، منافسة القاهرة و قرطبة، فكانت تستورد كل ما تجود به القرائح، و إن تباعدت البلاد.
و كان العراقيون و من والاهم من أهل المشرق يضنّون بالكتب ضنّ الأشراف بالأعراض: فقد غلب أديب على نسخة الجمهرة لابن دريد، غلبه الفقر، و هو أبو الحسن علي بن أحمد الفالي، فباعها للشريف المرتضى بستين دينارا، فلما تصفحها الشريف وجد فيها بخط البائع هذه الأبيات.