عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٨١ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
فقد كانت هناك أطياف ترد إلى أهل بغداد من شاعر ولد في بلد بعيد و عاش في القرن الرابع: و هو أبو القاسم بن هاني الذي ولد في إشبيلية، و سمت به همته إلى أن يكون أمير الشعراء في مصر، ثم احتضره الموت و هو في الطريق، فلم يشهد بساتين الجزيرة و لا مساجد الفسطاط.
و كانت أطياف ابن هاني تغيظ الشريف الرضي أشد الغيظ: لأن الناس لم يكونوا يجدون عبارة تفيه حقه من الثناء إلا أن يقولوا هو متنبي المغرب.
و لا نعرف بالضبط كيف عرف العراقيون شعر بن هاني لعهد الشريف، و لكن من المؤكد أن ابن هاني كانت له سمات تلفت العراقيين إليه: فقد كان شاعر الفاطميين أعداء العباسيين، الفاطميين الذين أنشأوا القاهرة لينافسوا بغداد، و ليخلقوا الخصومة بين دجلة و النيل.
أيها السادة:
حدثناكم حديثا موجزا عن شاعرين كانا يحتلان أذهان الناس في بغداد من بين الأموات، و هما المتنبي و ابن هاني، و بينّا كيف كان الشريف يغتاظ لصيرورة ما أبدعا من الآيات، فما بالنا لا نخبط شجرة الشعر في القرن الرابع لنرى كيف كان الشريف يتعب و يضجر و يلتاع ليرفع رايته في ذلك البحر المحيط؟ لقد كان العراق في القرن الرابع مسرحا لعرائس الشعر الجميل، و كان المرء لا يلتفت إلا رأى نفائس و غرائب تبهر الأذواق و القلوب و القول.
ففي القرن الرابع ولد السّلامي، ولد بالكرخ لستّ خلون من رجب سنة ٣٣٥، و قد بهر الناس بشعره في مطلع صباه، فقد كان أول ما سار من شعره قوله و قد ركب سفينة في دجلة، و كان ركبها أول مرة [١] .
[١] عبارة اليتيمة (و كان رآها اول مرة) و هذا يكاد يكون غير معقول.