عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٨٠ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
كان ملك الجماهير في زمانه ملكا قويا، و كان تفرّد بأفانين من الشعر عجز عنها معاصروه، فلما مات سلموا له بالامارة الشعرية، و عادوا إلى شؤونهم ساكتين.
و لم يكن الحال كذلك بعد موت المتنبي، فقد كان على جهارة صوته و جلجلة شعره يحدّث الناس بما يألفون، و كانت له بدوات لفظية و معنوية تؤلب الناس عليه، و تهيج النحويين و اللغويين، فلما مات بقيت الفرصة للجدل و الشغب و الضجيج، و انقسم الناس حول شعره إلى فريقين: عدوّ و صديق، و كذلك ظل يثير الهيجاء و هو هامد بين الصفائح و التراب، و لو تسمّع الناس صوت رفاته البالي لرأوه يقول:
أنام ملء جفوني عن شواردها # و يسهر الخلق جرّاها و يختصم
و من المؤكد أن الشريف شهد الخصومة حول شعر المتنبي و هو طفل و من المؤكد أيضا ان عظمة المتنبي احتلت أقطار نهاه، و لعلها كانت السبب في أن ينظم الشريف أجود الشعر و هو ابن عشر سنين، فليس من المستبعد أن يكون في أساتذة الشريف من لقّنه الحقد على المتنبي، ثم ظل هذا الحقد عقيدة أدبية يساورها و تساوره طول الحياة.
و أقف عند الغرض الاصيل فأقول: إن الشريف كان يعجب لانصراف الناس عن شعره و إقبالهم على شعر المتنبي، و قد انقلب هذا العجب إلى حقد: لانه كان يرى نفسه أشعر من المتنبي، و كان يفهم جيدا ان الناس لو خلصت ضمائرهم من أوضار العصبيات الدينية و السياسية و الادبية لفضلوه على المتنبي، و لكنهم لن يخلصوا و لن يسعفوا الشريف بما يريد.
و لم يكن المتنبي هو الشاعر الوحيد الذي يحتل أذهان أهل بغداد من