عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٧٩ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
الشريف الرضي أبشح الحقد، فقد ألف ثلاثة كتب في شاعرية أبي تمام و البحتري و المتنبي، و أراد أن يسجل أن دنيا الشعر وقف على هؤلاء الثلاثة فقال: البحتري هو الشاعر، و أبو تمام و المتنبي حكيمان. و كان الغرض من هذا الحكم أن يكون هؤلاء الثلاثة محور الجدل و الخلاف.
و يضاف إلى هذا أن الشريف الرضي أعلن خصومته لشاعرية المتنبي و إعلان هذه الخصومة عاد على ذكرى المتنبي بأجزل النفع، فقد كان للشريف كثير من الاعداء، و اولئك الاعداء أصابوا فرصة لم تكن تخطر ببال، فقد مضوا يبدئون و يعيدون في الكلام عن عبقرية المتنبي، و أذاعوا في الناس أنه شاعر لن يجود بمثله الزمان، و كانت هذه الاحكام ظاهرها حب الادب و باطنها إغاظة الشريف.
و قد أراد خصوم المتنبي أن يقوموا بحركة عكسية، و لكنهم لم يفلحوا، فقد أرسل الصاحب بن عباد يستنسخ ديوان الشريف ليفهم الناس أن الشريف هو شاعر الجيل، و أن العصبية للمتنبي لا تمنع من التسليم بأن عالم الشعر لا يزال فيه مجال للاعلام و الاقطاب [١] .
قد تقولون: و كيف جاز للشريف أن يحقد على رجل مات قبل أن يجيء هو إلى الدنيا بأعوام؟ و أجيب بأن موت المتنبي في القرن الرابع لم يكن مثل موت شوقي في القرن الرابع عشر: فقد سكت النقاد عن شوقي بعد إذ مات، لان شوقي
[١] و هناك سبب سياسي لعطف الصاحب على شعر الشريف: فقد كان الشريف يكره عضد الدولة لأنه سجن أباه، و كان الصاحب يكره عضد الدولة لأنه كان يسعى لقتله في الخفاء.
فالاشتراك في بغض عضد الدولة كان من أهم أسباب المودة بين الشريف الرضي و الصاحب بن عباد.