عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ٧٨ - مقام الشريف الرضي بين شعراء القرن الرابع
كأنما تضرب في العرض # الاعز بالقدم [١]
مذكورة ما بقيت # من غير عقد لرتم [٢]
ترى على عاري العظام # و سمها و هي رمم
فلو نزعت الجلد كان # رقمها كما رقم
كم جرّدت شفارها # لحم فتى بلا و ضم
خابطة لا تتقي # صدم أخ و لا ابن عم
أيها السادة:
قد أشرت كما ترون إلى نحو عشرين موضعا زهي فيها الشريف بشعره و اختال، و قد حدثتكم أن تلك المواضع نيّفت على الستين، و الآن أحب أن نفهم معا كيف صح ذلك الزهو و ذلك الاختيال:
كان يكفي أن نسجل هذه الظاهرة النفسية، و أن نقول إنه سلك طريقا سار فيه كثير من الشعراء، و لكني رأيت بعد التأمل و الدرس أن هذه الظاهرة النفسية تجرّ وراءها أشياء، و أكاد أجزم بأنها تدل دلالة على أن الرجل كان يحس أنه يحيا في عصره حياة المغبون، و أنه كان على أهل زمانه من الحاقدين.
و لكن كيف يصح هذا الافتراض؟ها كم البينات:
كان الشريف يعيش في عصر احتله الاموات و احتله الأحياء.
أما الاموات الذين احتلوا عصره فهم البحتري و أبو تمام و المتنبي، و قد شاء النقاد أن يمكّنوا أولئك الاموات من ذلك الاحتلال، و أظهر شاهد على ذلك ما صنع أبو العلاء المعرّي الذي عاش دهره كله و هو يحقد على
[١] القدم: جمع قدوم.
[٢] الرتم: خيط يعقد في الاصبع للتذكير.