عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٤٨ - صلات الشريف الرضي بخلفاء بني العباس
تقبيل يده فمدّها إليهما و هو متلطّف مترفق فجذباه و طرحاه إلى الارض و وضعا عمامته في عنقه ثم جرّاه مهينا ذيلا ليعتقل في دار عز الدولة.
و من هذا التماثل التام بين ما وقع للمستكفي باللّه و ما وقع للطائع ترون أن الشريف الرضي كان يتوقع هذه الحوادث، و ترون انه كان يعرف ما يصنع في مثل هذه المواقف و لست استبعد أن يكون الشريف وطّن نفسه على إيثار السلامة إن وقع مثل هذا الحادث، لأن الظروف لم تكن تسمح أبدا بتأليف جيش يحارب الديلم و يناصر بني العباس.
و القصيدة التي اشرنا اليها منذ لحظات تشهد بذلك، فهي قصيدة رجل يكرثه التضجر و التألم و لا يهتاج للقتال، لأنه كان يعرف ان القتال لا يطلب منه في مثل تلك الحال.
أضيفوا إلى ذلك انه كان جرّب الحوادث و جربته الحوادث، فكان يذكر بالتأكيدان عضد الدولة اعتقل أباه و صادر أملاكه، ثم نفاه، و مع ذلك لم تسقط السماء على الارض، و لم يمتشق في سبيله سيف، و لم يبذل في الدفاع غير قطرات من الدمع. و ما أضيع من لا يحامي عنه أنصاره بغير الدمع! لست من القائلين بأن الشريف لم يكن يهمه أمر الطائع: فذهني لا يسبغ هذا النوع من الدفاع عن الشريف، لأني اعتقد أن الشريف كان صادقا كل الصدق في مودة الطائع، و لعله اصدق علوي مدح العباسيين و أطال عليهم الثناء.
ان الاستاذ عبد الحسين الحلي نظر إلى الشريف من وجهة مذهبية حين حكم بأنه كان يداري الطائع، أما انا فأنظر الى الشريف، من وجهة إنسانية، و اعتقدان الشريف لم يكن مداجيا و لا مرائيا و لا وصوليا في