عبقرية الشريف الرضي - زكي مبارك، محمد - الصفحة ١٤٠ - صلات الشريف الرضي بخلفاء بني العباس
و في العام نفسه عاتبه بقصيدة قوية طاب فيها التشبيب و طاب فيها العتاب و أي تشبيب أعنف من هذه الانفاس الحرار:
خليلي هل تثني من الوجد عبرة # و هل ترجع الأيام ما كان ماضيا
إذا شئت أن تسلى الحبيب فخلّه # وراءك أياما و جرّ اللياليا
أعفّ و في قلبي من الوجد لوعة # و ليس عفيفا تارك الحب ساليا
إذا عطفتني للحبيب عواطف # أبيت و فات الذلّ من كان آبيا
و غيري يستنشي الرياح صبابة # و ينشي على طول الغرام القوافيا
و ألقى من الأحباب ما لو لقيته # من الناس سلّطت الظّبا و العواليا
فلا تحسبوا أني رضيت بذلة # و لكنّ حبّا غادر القلب راضيا
رعي اللّه من ودعته يوم دابق [١] # و ولّيتّ أنهى الدمع ما كان جاريا
و أكتم انفاسي إذا ذكرته # و ما كل ما تخفيه يا قلب خافيا
فعندي زفير ما ترقى من الحشا # و عندي دموع ما طلعن الأماقيا
مضى ما مضى ممن كرهت فراقه # و قد قلّ عندي الدمع إن كنت باكيا
و لا خير في الدنيا إذا كنت حاضرا # و كان الذي يغرى به القلب نائيا
و لما وصل إلى عتاب الطائع مدحه اجزل المدح ثم قال:
إلى كم أمنّي النفس يوما و ليلة # و تعلمني الأيام ان لا تلاقيا
و كم انا موقوف على كل زفرة # عليل جوى لو ان ناسا دوائيا
[١] دابق: قرية في حلب، وردت مرات في كلام الشعراء، من ذلك قول عيسى بن سعدان:
ناجوك من أقصى الحجاز و ليتهم # ناجوك ما بين الأحص و دابق
أمفارقي حلب و طيب نسيمها # يهنيكم أن الرقاد مفارقي
و اللّه ما خفق النسيم بأرضكم # إلا طربت من النسيم الخافق
و إذا الجنوب تخطرت أنفاسها # من سفح جوشن كنت أول ناشق